الاثنين، 7 فبراير 2011

الغرفة رقم خمسة

[1]


الساعة تدق الخامسة.
دقات قلب عمر أسرع و أعلى من همس دقات الساعة
ميعاده الأول مع نادية.                                     
لم يصدق نفسه.
أخيرا وافقت....
 
بدأ يسرح بخياله                         
أضم يدها أولا.   
لا. . 
أ قول لها...
أحبك..
لا يكفي                                                        أأقبلها..
لا.. قد تصفعني علي وجهي..
أضمها إلي صدري..
لا قد تكرهني وإلي الأبد يموت الحب بيننا.                                  
الكلمات تضادت في فمه..
مازال يعانق حيرته إلي أن..
وقفت نادية تتأمل حيرته..
لا أحد يرقبهم سوى النيل الجاري عندما يسبق جريانه الشباب وعنفوانه في قلب الفتى..
وشجرة تحف بورقها شعره المجعد البني.
ضحكت نادية قائلة: تأخرت عنك ثلاث دقائق.......                                             
ضحكتها حياه ملئت سكون المكان ..
عيونها لم تفارق عيناه التي بدت أكثر اخضرارا في نور الشمس.
أتبسم عمر لابتسامتها..
أحمر وجه خجلا..
ما أجمل الحياء وإن ملئ عيون الرجال..
تبادلا المواقع..
سبقته بقولها:  لم أكن أعرف أنك تملك زمردتين بهذا الجمال!!
أرتبك عمر فارتبكت ضحكتها..
اتكأت بظهرها علي جذع الشجرة..
لامست الشمس بشعاعها الذهبي خصلات شعرها الكستنائية فزادها بريق أسبغ علي وجنتيها احمرار.
احمرار وجنتيها كاد ينزع قلب الفتى ويسبٌ عقله
مما دفع عمر إلى وضع كلتا كفيه علي جذع الشجرة حاضنا بينهما اجمل زهرة.
أقترب عمرا أكثر فأكثر..
تلامست الأنفاس..
تسارعت..
هربت نادية من ما قد يرسم الثغرين بلون واحد.
مالت برأسها وتمكنت من الهرب من بين قفص كاد ت تدخله..  
سألت عمرا وقد تغيرت ملامح وجهها إلي الحدة.. 
لما ذا نحن هنا يا عمر ؟
لم يسمع عمر سوي صوت صرخات قلبه ولوعة أنفاسه أعادت عليه نفس السؤال .
أبتعد ت عن  قبضته  .
أعطت ظهرها للشمس   .
عاكست أمواج النيل الجاري بذلك الفرع البائس .
حاول عمر مرة أخرى ..
صنع قفص آخر حولها .
جلس بجوارها .
أفلتت هذه المرة من قفصه ولم تنبس بكلمة واحدة
التقيا اليوم التالي في الجامعة .
اقتربت  نادية من عمر و هو في صحبة زميلين و قد بدا عليه الإعياء واضحا .
ألقت التحية .
رد عليها عمر بتجاهل .
أثارت ردة فعله الغضب داخل نفسها مما دفعها لتوجيه الكلام إلى صديقيه الذين ما زالا يقفان معه وإن لم تكن  تبالي لوجوده  بينهما  .
استأذن  عمر من صديقيه  ..
ذهب بعيدا عنهم وكأنه لم يري نادية التي وقفت معهم من أجله .
تركهم عمر ومازالوا مندهشين لتصرفها وتصرفه .
أسرعت  نادية نحو عمر كمن يطارده وأوقفته بجرأة .
تغيرت ملامح وجهها من الأنوثة المتحدية لحيائه إلى صلادة الحجر ..
وجهت له نفس السؤال :  ألم تقل أنها مسألة حياة . .
لم يجب عمر علي السؤال .
كررت نادية السؤال بصيغة أخري وهي تقول لعلك تفهم ماذا كنت تريد مني ؟
أجاب  بابتسامة باهتة انعكست علي عينيه ..
بالرغم من شحوب ابتسامته إلا انه اعتذر وهم بالانسحاب من حصار عينيها .
مازالت نادية تلقى بقذائف الكلام الذي تصاعد من فمها كالحمم ملقية به في وجهه الذي ازداد شحوبا   .
أدار عمر وجهه بعيدا عن وجهها هربا من حصار عينيها مما دفعها لأن تقول له وبصوت سمعه كل من حولها .
توقف . . !
كلمني ..
دافع عن نفسك .
أنا لست دمية تلعب بها .. فإن لم تتكلم الآن ....                                                                               ولأول مرة حاول العصفور الخروج من سجن الصمت أراد الانطلاق من باب القفص الذي فتحته  له نادية  .
أجنحة العصفور ضعيفة متثاقلة من سنين قضاها في سجن الصرامة الذي تربى فيه .
قسوة لا تعرف الرحمة لخطأ ولو لم يقترفه  وبالرغم من السنوات الأربع التي قضاها في كلية الطب .
تلعثمت الكلمات في فمه مرة أخرى وخرجت من حلقه كمضغة محشورة .
نطق بصعوبة :  أنا آسف
صرخت في وجه ..  آسف ، آسف                                                           
التفت إليها من حولها وسألتها هدى بعد إن اقتربت اكثر ونظرت إليه بغضب ..
 سألتها هدى هل ضايقك أحد ؟
ضحكت نادية باستخفاف  وهى تبتعد مع  هدى قائلة
من يجرؤ على مضايقتي من هنا أو هناك ..
ضغطت علي كلمة هناك ..
تملك عمر الغضب .. فثار من نفسه بعدما شعر بضعفه ووهن نفسه أمام قوة نادية وعدم استهانتها بنفسها ..
أذعن عن رفضه المطلق لكيانه بانقطاعه عن الكلية ثم عن الطعام .
إلي أن كان السرير في  الغرفة رقم خمسة من نصيبه .
أفاق من غيبوبته .
ليجد آباه صاحب القلب القاسي قد جلس بجواره يدعو الله له بالشفاء أما نظرات عيناه التي كانت دوما  موطن لتطاير الشرر.. 
تكاد الآن تنفطر ..
الدمع فيها أخفى لونها الرمادي بعدما تناثر منهما الدمع كقطرات الندى لتغسل الألم من قلب عمر وتفتح له باب القفص ليخرج العصفور معلنا ثورته على الماضي .
واعداً آباه أن يكون أفضل مما كان عليه وان ما مر به ما هو إلا مجرد إرهاق وليس إلا .
زار الغرفة الكثير من الزملاء حاملين الباقات الحمراء والبيضاء من الزهور إلا زهرة  طال انتظارها لم تحضر في هذه الليلة ..  
غابت ..
شذاها لم يغب من بين أنفاسه .
جن الليل ليلقي بالرهبة بين اركن المستشفى .
الحياة فيه تختبئ  .
الخفافيش تعبث بأحلام الأمل  ..
تبعث بالألم ورائحة الموت  البارد الذي يطارد المرضى
ابتسامة هادئة تخرج من الظلام ..
ترتدى الأبيض .
تقترب من عمر ..
تلامس بأنفاسها وجه ..
دنت بفمها نحو أذنه ..
سألته همسا ..
حبيبتك  .. أليس كذلك  ؟
العرق من جبينه يتصبب ..
أنفاسه تصارعت .
الكلمات في فمها تتثاقل لتصل إلي أذن عمر وكأنها من حلم يعتريه ..
الظلام اغرق كل شئ حتى الأنفاس تلاحقت وغاصت في الظلام
الخفافيش خشيت  الاقتراب منهما .
أخيراً .
لمس الصباح أطراف المكان وزال الصمت  .
مات البكر .
بقى الجسد الملقي علي السرير بالغرفة رقم خمسة مجرد رغبه  يحيها سواد الليل .
بقيت نادية مجرد أمنية عذرية تعتريه .
لا يجرأ علي الغوص في بحرها أو ذكر أسمها .
بحر الغرفة رقم خمسه ليس له شاطئ  .
تقاذفته الأمواج في بحر الرغبات ..
يتعرف على تلك ويغوص في أحضان الأخرى  ..
أسمه أصبح همسا بين الأصدقاء ..
ترامى الهمس إلى أذن نادية ليسبق الزير اسم عمر..
لم تصدق نادية استوقفته وسألته بجرأة : هل أصبحت من رواد الليالي الحمراء؟
كلامها الجريء وصدق خوفها عليه أوقف الدماء في عروقه ..
لأول مرة يعاوده حلم البكارة وحرارة الدمع لتخرج من  فمه كلمة طاهرة أنارت عينيه و نطق بها وكله يرتجف
أحـــــــــــــــــــــبك .....
سمعتها نادية وخفقان قلبها كاد يقذفها بعيدا عن الحقيقة تمالكت نفسها وأعادت عليه السؤال .... 
عمر هل أصبحت كما يقولون عنك....؟
وقبل أن تكمل السؤال عاد الخجل إلية ولم يستطع رفع عيناه في وجهها  .
نظر في الأرض ..
نظرت إليه نادية بعتاب  ..
أرفع عينيك وقل لي ..
لماذا يا عمر ..؟
من يستحق..؟
أعادته تلك الكلمات إلى بحر الغرفة رقم (5) ..
تبدلت نظراته إليها ..
تغيرت ملامحه ..
في هذه اللحظة أيقنت نادية من أنها تقف أمام وحش يرتدى ثياب عمر ..
هربت من  أمامه  .
بكت   . 
لقد اغتيل عمر ..
هذا ليس  عمر . .!
مضت الأيام  ..
اقبل العام الخامس علي الانتهاء .
وقف عمر بجوار نادية وهي تقرأ النتيجة .
لم تلاحظ من يقف بجوارها ..
أفاقت و هي تدير وجهها ملوحة بيدها في الهواء فرحاً بنجاحها .. 
لمست كفتها الدافئة وجه عمر . .
أعادت إلي قلبه نبض الحياة  ..
يرجوها  لتسمعه .
أعطته الفرصة ليتكلم .
(عمر) ناديه يا ..
ثم صمت .
ثم أكمل  ..
كل أسف الدنيا لا يوفيك الاعتذار ..
منك ولك .
أستحلفك بحق حبك لي  !
انشليني من هذا المستنقع ..
 لم تزل تراجع  نفسها ..
هل أصدقه ؟ .. 
بالرغم من أن كلامه كان بمثابة السلاح الذي يعطي لها الحق باتخاذ الوسيلة اللازمة لاستعادته .
استحلفها بحبه له مرة أخري . 
يؤكد لها صدق إحساسه نحوها  ..
مازالت تكرر له نفس السؤال : يبدو انك متأكدا؟
(عمر) عيناك صادقتان وحبك نهر يغسل الذنوب
يا نادية أنقذيني حتى و إن لم تكوني تحبيني . 
أدركت نادية أنه ألقي علي عاتقها حمل الجبال  فبادرته ولأول مرة منذ ذلك اليوم الذي بكته فيه بنظرة مطمئنة ..
منذ يوم الغرفة رقم(5) ..
أقبل الليل .. 
يضيء عمر غرفته.
يزيد من ضوئها حتى كاد الضوء يخترق لحمه ليصل إلى قلبه  .
يدير آلة التسجيل يستمع إلى أغاني الحب  أم كلثوم ..
عبد الحليم ..
انتظاره لنور الصباح كانتظار المحكوم علية .. 
كمن ينتظر لحظة النطق بالحكم عليه  لذا كان حكم نادية عليه بمثابة طوق النجاة الذي سيبحر به إلى شط الطهارة ليبصر نور الحياة ليرى من خلال حبها وحبه لها نور الحياة ويري جمال الألوان مرة أخرى بعد أن أظلم نور عيناه من ألوان الليالي الحمراء و الزرقاء .
الساعة تدق العاشرة .
الشمس يملأ الكون نورها ..
اليوم الأول من شهر أكتوبر يوم جديد وميلاد جديد حضرت نادية لنفس المكان الذي شهد أول لقاء لهما  شيء ما خبأته وراء ظهرها ..
قلب عمر يخفق  .. .يتسارع  .. .يئن ..
كل مشاعر الدنيا  اختلطت بين أنفاسه .
حملت نادية وراء ظهرها ما هو أعمق من  الكلام .
الباقة بيضاء .. 
قطفتها من زهر القرنفل و الياسمين زهور من الخريف قبل حلول الشتاء ..
قدمتها إلى عمر وعيناها تضمه بحنان ..
دعته إلى ا لسير معها وأمام الجميع فلا داعي للقاء الخفي بعيدا عن أعين الجميع .
الحب نور لا يقبل الظلام .
هكذا كان الحب  بينهما القليل من الكلام والكثير من الفعال .
لم يعد ليل الرغبات يخترق جدار الحب الذي بدأ ببنية طوبة طوبة مع نادية .
تعلم عمر من حبها أن الحب نهر من العفة  والعطاء .
العام الجد يد ..
اختفت فيه الهمسات بين الزملاء وهمسا من نوع أخر يقول ما أعظم تلك الفتاة !
اصبح تواجدهما في الندوات العلمية والثقافية  و الأحزاب السياسية مهد اللقاء بينهما وسبيل للعطاء ..
فلم يعد  هناك وقت للظلام كل يوم  يكبر الحب ويكبر حتى لم يبقى بينهما مكان للماضي .........
يوم جميل دافئ من أيام شهر يناير
في مدينة أسوان الساحرة ..
الطلاب يمرحون بين آثارها ونيلها ولاسيما أنها رحلة التخرج  .
هدية من الجامعة لطلابها الذين سيكملون مسيرة الحياة خارج أسوارها  أنه من تقاليد الجامعة ليبقى ذكراها ناقوس يدق في عالم النسيان .
تتهادى المراكب بين أحضان النيل ..
لتأخذهم إلي جزيرة النباتات ..
الجميع أخذوا دورهم إلا أثنين في انتظار دورهما ..
عمر و نادية ..
وطئت قدامهما المركبة الأخيرة ليقودها عمر بنفسه ومازالت تتهادى بهم بين أحضان النيل إلى أن علىّ الموج وزاد التيار ولم ينتبها لقد خرجا عن إطار الجماعة ليجدا نفسيهما تائهان بين الأحراش ويبدو أنها كانت رغبة خفية لكليهما .
الأحراش تعلو ..
قممها ذات أسنان ..
تتشابك لتلامس السماء ..
يختفي المركب الصغير بين الأحراش بعد أن علق بها .
اقترب الحبيبان إلى أن لم يبقوا للهواء بينهما مكان  يبدو أن الكلام قد علق علي أسنان  الأحراش ..
إلا كلمة واحدة ذابت بين الثغرين..
أحبك.  أحب.. . ك   ......ك
 كانت الأعين أسبق علي إدارة حديث قد يندم عليه الحبيبان   ..
ارتبكت دقات القلبين .
لم يعد يعرف قلب من يستبق الآخر.
مال المركب بهما حتى لامس ماء النهر الظهر العاري .. أستيقظ النائم في بحر الغريزة لتفيق نادية قبل أن تسقط في قاع الندم الذي يحرمها عذريتها .
دفعت عمر عنها ولم تدري بنفسها إلا عندما ألتقطها قارب خرج للبحث عنهما .     
سألت الأعين قبل الألسن أين كنتما ؟
أين عمر؟
ماذا حدث ؟
لم تجب نادية ..
أدركت نادية في هذه اللحظة أنها ما عادت نادية التي تعرفها ..
لم يعد في ذاكرتها سوى سياط تمزق كل خلية عانقت أنفاسه ..
كلما وقفت أمام المرآة  ورأت نادية تبصق عليها ..
وضعت مساحيق التجميل بغزارة لتخفي معها نادية التي عرفتها وخانتها باستسلامها ولولا القدر ما نجت .
لاحظ الجميع التغير الذي طرأ علي نادية .
سألتها صديقتها "هدى" : لم اعد أعرفك فلما كل هذه الزينة ؟             
لا إجابة فلم يعد هناك قلب لنادية ..
لا أحد يعرف ما حدث والحقيقة بين أثنين أصبحت صدى  بعد مدى .
بقي لنادية السؤال الذي أصبح يلاحقها ويغتصب النوم من بين أجفانها  ..
أصبحت تخاف من إغماض عينيها حتى لا تتذكر عيون من ذابت   فيهما عشقا ..
بعدما وصلت إلي درجة أنها لم تفرق إن كانت هي أم هو أين هو الآن ؟
يوما بعد يوم يزداد انتفاخهما ..
الهالات السوداء تمتد من حولهما ..
يلح السؤال ..
كيف تعود نادية للحظة التي سبقت الندم ..
متي تخلع تلك الأقنعة التي تصنعها من أدوات التجميل  لتقبل نادية كما هي  ؟ ..
هل سيغفر الله ذنبها ؟
حقا .. كانت نادية محقة في العقاب لنفسها لأن عمر ما عاد يرغب في رؤية نادية ..
ليس لأنه ندم علي ما فعل وليس لأنه أغتال القلب الذي أحبه فليس لهذا أو ذاك .
لقد ذبحت نادية الثقة في قلبه فلقد كان قبل حب نادية و الإيمان بطهارته غابة لا حدود للابتزاز الجسدي فيها أما الآن فقد مات الحلم الجميل الذي لم تدافع عنه أنها ككل من عرفهم سقطت بسهولة في بئر الحرمان الغريزي ولولا عناية القدر ما أفاقت .
ملامح نادية توارت من قلب عمر  ليحل مكانها أوكار الخفافيش وتذبل الألوان في عينه فلم يعد يحس بها ..
لا لون السماء يسحبه ..
ليطير بروحه إلى أعلى من السحاب ..
لم يعد يلحظ الأبيض بالرغم من ارتداءه الزي الأبيض فما عادت روحه تعشق النقاء . .
كل شيء يخدع حتى الأبيض من الألوان ..
الأبيض مزيج من كل الألوان .
كانت هذه الحادثة لها النصيب الأكبر في عدم تفوق نادية المعتاد. 
لذلك  كان من نصيبها في التعين  أبعد القرى التي وزعت عليها أوراق استلامها للعمل  ..
تسلمت نادية العمل في إحدى الوحدات الصحية  الريفية التي تبعد عن أقرب مركز للمدينة سبعين كيلومتر رضيت نادية بنصيبها وهي تؤكد لنفسها ..
هذا ما أستحقه من عقاب  ..
ربما البعد يعيد لي نادية التي افتقدتها ..... 
الوحدة في انتظار طبيبا آخر . 
تأخر  عمر في استلام العمل لتكن المفاجأة لكل من الهاربان  جمع القدر بينهما في وحدة صحية واحدة ولبعدها الكبير عن المدينة اجبرا علي الإقامة في نفس الاستراحة الخاصة بالوحدة الصحية إلا أن حبيبا الأمس أصبحا غريبين اليوم  .
لم تجمعهما سوى الكلمات القليلة التي تشمل قائمة العمل و توزيعها وبالرغم من كل هذا لم تكن نادية تتوقع كل هذا الكم من التجاهل من عمر مما زاد من كم احتقارها لنفسها .
لعبت الممرضة الجميلة اللعوب راجية على هذا الوتر بعد ملاحظتها للنفور الدائم بين الزميلين لذا عرفت كيف تريح عمر على حساب نادية .
ليكن من نصيب عمر العدد الأقل من المرضى وبالرغم من إدراك نادية لهذه التصرفات إلا إنها اعتبرتها لصالحها ولم تلم راجية على ذلك .
فكانت تقول لنفسها  العمل هو الدواء الشافي لنسيان الألم ( فجميع الجراح تشفى ولا يبقى منها  سوى ذكرى آثار مكانه .  إلا جراح النفس مهما أخفيناها تحت ستار الزمن ستبقى بنفس القوة حتى ولو أزحنا الستار عنها ولو طال بنا الزمن).......................
الوحدة التي تعانى منها نادية أرغمتها علي استقطاب راجيه والصبر عليها  .. 
إلى أن جاء اليوم الذي  سألت راجية لنادية السؤال الذي كانت نادية تهرب من مواجهته ..
( راجيه) والله يا دكتورة نادية الدكتور عمر طيب وابن حلال وبدلال متصنع وخبث لم يخفى عن نادية .
سألتها :  هل أنت والدكتور عمر من دفع  واحدة ؟
أجابت علي سؤالها وهي على مضض .
نعم ..
ليعقبه السؤال التالي وقد بدا على وجهها ملامح الاستحياء  ..
لما ذا أنت وهو  كالأخوة  الأعداء ؟
اقصد ...  
أنا آسفة . 
ضحكت نادية باستخفاف دون أن تجيب علي السؤال خافيه وجهها الذي كانت راجيه تحاول تعقبه  فيبدو أن الدمع قد خانها لتتمتم راجيه بكلمات بالكاد سمعت بعضها(هذا من حظي)
بدأت راجية في نسج خيوط عنكبوتية بداية من العطر القوي حتى تلك الليلة القمرية ..
استيقظت نادية في منتصف هذه الليلة لتبحث عن دواء للصداع الذي فاجأها ولم تجد لديها دواء .
خرجت من غرفتها تتحسس في الظلام إلى غرفة راجية لم تجدها . .
بحثت عنها في كل مكان إلا غرفة واحدة  شكت فيها و بالفعل لم يكن شكها في غير محله..
لقد توقعت هذا ولكنه حدث أسرع مما توقعت . 
أخذت نادية إجازة  طويلة وعلى إثرها زف إلي القرية خبر تقدم ابن عمدتها المهندس شهاب عمر للدكتورة نادية بعد إنقاذها لأخته من موت الجنين الذي حملت به بعد طول انتظار و صبر.
تزوجت نادية ابن العمدة وفتح لها عيادة لاقت النجاح لحسن  استقبال  الدكتورة  نادية لمرضاها و تواضعها وتقديرها لضعف إمكاناتهم المادية دون أن تسبب لهم أي حرج وهكذا توارت نادية بين العمل والحياة الزوجية الهادئة .
أما عمر فلم يكتفي بممرضة واحدة وحضرت أخرى ولم تكن سوى خفاش ليل  آخر .
يصرخ الليل من هتك أسراره ..
لقد خلقت للزهاد العابدين وليس لهؤلاء الخفافيش .
ترك عمر القرية بعد ترقيته ليعمل في إحدى المستشفيات الحكومية .
التقى بمها التي جاءت لزيارة والدها المريض بالذبحة الصدرية ودارت الأحاديث بينهما و لقد  كان حياء مها الأمل الذي يبحث عنة ..
رفضت مها أي لقاء خارجي لهما .
كان يوم خروج الدكتور مجدي  بعد تماثله للشفاء موافقته علي إتمام عقد قران الآنسة مها علي الدكتور عمر  كانت فرحة عمر أكبر من أي فرحة وتوطدت العلاقة بينهم  ..
أعطاها كل ما يمتلكه وكتبة باسمها وسجلته مها قانونيا لأنها تعمل محامية وأستأمنها على أدق أسراره .
أصبحت مها المعنى المجسد لكلمة السعادة ومهما وهبها عمر لم يكن سوى القليل من الثروة تمتلكها عائلة الدكتور مجدي  .
مضى عام كامل لم يمس فيها مها بالرغم من عقد القران  لأنها كانت تحافظ على نفسها حتى من نفسها معه .
حانت ليلة العمر وزفت الآنسة مها على الدكتور عمر وتحدثت المدينة عن هذه الليلة ولاسيما من إنها ابنه الدكتور مجدي أشهر محامى في المدينة .
لم تنطفئ الأنوار في هذه الليلة  .
أراد عمر أن يكون النور ملئ حياته حتى في هذه اللحظات .
حاولت مها إطفاء النور ولكنة أضاء النور  وقال لها حتى لا يغيب عني نور عيناك .
فلا ظلام من بعد اليوم ..
ضحكا كثيرا وتمايلا حتى اصطك السرير .
وفي لحظة حاسمة صرخ فيها عمر .
لا .لا .
مستحيل !
زاغ بصره وخبط رأسه في الحائط حتى سالت منها الدماء ..
لم يكتفي بهذا فكسر المرآة التي تعكس أنوثتها الطاغية وطلب منها ارتداء ملابسها ليخرجا  وقد رسمت على وجهها علامات التعجب الممتلئ بالغضب وتوالت أسئلتها ولم ير د عليها سوى بنظرات صارمة لتتبعه بصمت .
أخذها إلى المستشفى التي يعمل بها بين ذهول من كان يعمل في هذه الليلة بالمستشفى .
كانت نتيجة الفحص ..
كما حددها الطب الشرعي وعلم الطب النسائي .
كعقارب الساعة .
فتح الباب وقال لها كلمتان نطقهما بصعوبة بالغة وكله يرتجف
طالق طال....ق
لم يستطع آن يغلق باب الغرفة وراءها لأنه ما عاد يقوى سقط يصارع الموت على مدى شهرين أفاق ليجد بجواره عمة و آباه الذي لم يكف عن البكاء ولم تكن احسن حالا من  آباه  أمه  التي أوهن الحزن جسدها على اكبر أبناءها الثلاثة ..
علم عمر ما فعلة والد مها من رفع قضية عليه يتهمه بالتبديد والتشهير لأن مها  كانت زوجته شرعا منذ عام وقبل الزفاف .
حاول والديه فهم ما حدث ولكنة رجاهما ألا يفتحا هذا الحديث أبدا وألا لن يعيش بينهما ..
خيم الصمت على كل شئ ..
أصبح الصمت مدي ..
زهد عمر النساء ..
اغلق الباب حتى كان بكاء أمة و رجاءها  سببا في موافقته على الزواج من ابنة عمه التي لم يكن رفضه لها من ذي قبل لأنها ليست جميلة أو غير مثقفة بل لأنها تملك نفس العين  الصارمة النظرات والحادة في طباعها
دخل قفص القسوة ولكنة دخلة بكل رضاه .
لا يعد يملك أي رغبة للخروج منه أبدا لأنه أدرك انه عصفور لا يستطيع الطيران ..
أجنحته لا كابحة لها .
عمل  بصمت دائب .
يسلم راتبه إليها وتسأله بحزم ..
عن بنزين السيارة ..
لماذا ذاد استهلاكه هذا الشهر.
من يتحدث معك على الهاتف يا عمر .........
قسوة  .
حساب  . 
لم يعد يقاوم  .. 
أصبح عمر كآلة تعمل في صمت ..
أقبلت رنا  إلي الحياة ..
نهاية المطاف ..
كهل قبل الأوان ..
أغلق علي رنا كل منافذ الحب .
ليمضى العمر برنا ويلون الشباب وجهها ومع ذلك فهي فتاة لا تعرف من الثقافة سوى كتاب المدرسة ولا من الشوارع سوى ما تراه من نافذة الشرفة الكائنة في الدور الرابع عشر .
أول يوم لها في الجامعة .
يقيم عمر حولها حصارا صارما .. 
من باب المحاضرة إلى باب السيارة  ..
في تمام الساعة السابعة من شهر مايو  ..
مع بداية نهاية العام الدراسي .
الباب يدق .
أسمي الدكتور عمر شهاب  عمر ..
هل تسمح لي بالدخول
دخل على مضض وعلامات الاستفهام تسابق أصول الضيافة  ..
جئت لأطلب من سيادتكم يد  الآنسة رنا
يرد عليه الدكتور عمر :  هكذا وبدون أي مقدما ت ..
أين رأيتها .
تدخلت والدتها ولم تعطى لزوجها فرصة للحديث  .
طلب العريس أخذ ميعاد لاحق حتى يطلبها له والدية ليتماشى مع الأصول التي تربي عليها . 
لم يجد العريس سوى الترحيب وخصوصا من والدتها
دق جرس الباب  .
فتح الدكتور عمرا لباب ..
كم كانت المفاجأة ..
فلم  يحتاج الدكتور عمر إلى التعرف علي والدة العريس
إنها الدكتورة نادية  ..                    
عمر يمتدح أخلاق عر وسه (لا يوجد زهرة في هذا الزمان بهذا النقاء)
أمتدح المهند س شهاب طريقة الدكتور عمر في تربيته لابنته
عمر يهمس في أذن والدته ((ما رأيك يا  ماما))
ساد الصمت ..
قصر الزمن ..  
طال طريق العودة ..
خرجت الذكريات من وراء الستار..
إنها كانت صدى  بعد مدى تحت الستار ..
من يجرأ ويعلن الرفض .؟
ليبقى السؤال ..
هل  كان الفراق ..
من أجل عمر ورنا .
أم من أجل غياهب الغرفة رقم خمسة    ..  
                                                         ( انتهت)


                                                                                      
















  








    

   

       
      

    
 


                            
                            
  
    
   
  
                               

..                                                                                                 
 




الغرفة رقم خمسة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أبكي صمتي

ابكي الخوف صمتي وصانعي خوفي لحني لما انا وهم قدري لا .. انا  اصرخ  !! كفى !!! ولاقول لن اكون إلا !!!أني عاشقة ... من زمن عشقي. ...