الاثنين، 7 فبراير 2011

بين الأوتار





ـــــــــــــــــــــ  بين الأوتار                                                                        
يمتزج الهمس  بأنغام سيمفونية ولادة يوم جديد  .
ما إن سحبته الطبيعة الأم من رحمها حتى  ترامى إلى سمعي همسا حنون يصاحب صرير إزاحة الستارة عن يوم رحل .
ما زالت الشمس قرصا أرجوانيا ينساب كلحن  خالد يداعب العصافير لتؤدي دورها السرمدي في هذه الملحمة لتوقظ من لم يأخذ دوره فيها 
الأيدي ترفع تضرعا  ورجاء ..
يصل  رجاءهم همسا ..
يصعد الهمس ..
تحمله الملائكة في حلة الفجر ..
الكلمات همس يتناغم بين اليقين و يا رب لا مجيب سواك  ..
همسها الحنون الباكي يردد الدعاء بالشكر لله و رجاء بالستر لفلذة كبدها سها .
يمتزج الهمس ببريق شمس آذار عندما يخترق الأذن والعين النائمة ..
يتسلل شعاع القرص الذهبي ومازال أرجوانيا فيقف عند السرير مداعبا الوجه النائم ..
ملقيا بظلاله علي وجهها ليبدو مشرقا كنور الشمس عندما تتسع وتملئ الغرفة بنور أبيض كيقين سها في جمال يومها .
(والدة سها): يا رب أشوفها عروسه سعيدة في بيت عدلها قبل عيني ما يواريها التراب.                                     مازالت الرأس مرفوعة تعانق حبال الرجاء .
تعلقت بنور القرص الذهبي الذي سرعان ما يكبر ويخترق نوره الأجواء .
يلامس المناجين تاركا الأمل في قلوبهم كأقوى من نورها وسط النهار .
وضعت سها الوسادة علي رأسها وقد أخفت وجهها وهي تستجدي غفوة قصيرة  ..
تزيح الوسادة قليلا لترد على أمها التي انتهت توا من المناجاة وتنادي عليها لتلحق بأخر صف من صفوف المناجين .
(سها) لقد استيقظت منذ أن فتحت الشباك .
(  آم سها )  إذا أنهضي يا كسولة  ..
فقد تجاوزت الساعة السادسة و النصف .
فركت سها عيناها ..
هبت من السرير بهمة الطفلة الصغيرة ..
وكأن ما مضى  كان حلما ثقيلا ..
ابتسامة هادئة ملئ عيناها .
فمها يهمس بالكلمات التي صحت توا وقد تغطت بقطرات الحب النادي ..
(سها ) صباح الخير يا ست الحبايب .
 يا رب ما يحرمني منك .
(أمها) ولا من دعائي وما أن بدأت في سرد الدعاء المعتاد الذي يعقبه جدل لا ينتهي  ..
ضحكت سها ثم قبلت إصبعها.لتلقي  بقبلة في الهواء وصلت للأم القلقة عندما همت  في الحديث المعتاد عن الزواج  ..
هكذا خرجت سها اليوم من  هذا  المأزق اليومي بلباقة ..
تتنهد أمها بصعوبة المغلوب على أمره متمتمة بدعاء مسموع  ..
(أم سها ) ربنا يهديك لابن الحلال الذي يريح بالك .
بعد نظرة سريعة إلى الساعة المعلقة علي الحائط توجهت سها إلى الحمام لتسابق الزمن حتى كادت قدمها تنزلق وقد كانت تريد سباق الكلمات في فم الأم الخائفة من وحدة أبنتها التي قد تطول بطول عمرها أن ظلت هكذا بدون الرجل الذي يملأ القلب ويسد هوة الكلام والهمس .
شيء من الخوف يسيطر علي تفكير الأم الحائرة ليظل السؤال  ..
لماذا تكره سها الرجل وآباها كان من أفضل الرجال وظل السؤال هكذا لا تستطيع البوح به .
عالقا في فمها والدعاء المتواصل الذي لم يكد يتوقف من قلبها حتى يكتمل علي لسانها .
كان الدعاء بمثابة الدواء الذي يهدأ من هول المصيبة على قلب الأم المحزونة الخائفة من فوات قطار الزواج من بين يد الابنة الطموحة وشئ آخر يبث الرعب أكثر في قلبها عندما ترى الصورة المتكررة بين طموح سها  في العمل وطموح أبيها في العمل ..
طموح ينسيه كل شئ حوله ماعدا أنه يعمل وما ثناه سوي  توقف نبض قلبه وهو مازال يناضل من أجل مصلحة العمل  .
نفس المهنة و نفس الإرادة و الحماس التي لا يوقفها أمل ولا رجاء وما أوقفها إلا انتهاء الأجل.
ما دعاها إلي العتاب الرقيق الذي سبق الدمع همسه وهي تنظر إلى صورة زوجها.. همست بالقرب من الصورة ويدها تلامس الشريط الحريري الأسود..
لتقول له.. معاتبة..
زرعت فيها الطموح حتى أصبحت وادي كاملا ونسيت أنها أنثى لا ذكر .
فأين أنت الآن لتجنى حصاد ما زرعت وتوقف هذه المهزلة  .
في الحمام وقفت سها تتأمل رشاقة جسدها وطفولة وجهها بالرغم من تخطيها العقد الثالث من عمرها فعقد قران أحمد في الأسبوع الماضي وهو أصغرهم كان له الأثر في زيادة الهمس بين المحيط العائلي .
غير أن  زواج أختيها سامية و سوميه منذ زمن طويل وهم الأصغر منها وليس بالأجمل منها كان المصدر الأول للهمس .
نظرت سها في المرآة بنظرة غير مبالية مزيحة عن نفسها أفكار الجميع ناثرة الماء على جسدها متمتمة بأغاني الطفولة لتداعب الماء على جسدها وكأنها تداعب طفل رقيق.
في هذه الأثناء توجهت إلى غرفة سها لأعرفها أكثر حتى استوقفني ذلك العبير الذي ملئ أنفاسي استدرت لأبحث عن مصدرة.
أجل .!   أنه شذاا البنفسج..
ما أجمل هذه المزهرية التي نقش عليها زهر البنفسج  التي يطل  منها هذا الزهر .
لقد توجت سها عنقها برباط حريري لونه بنفسجي .
استوقفني هذا الرباط الحريري المحكم حول عنق المزهرية ..
 ما أن تركز عليه حتى  يخيل إليك من أنه  قد  احكم حول عنقك .
فأدرت وجهي في أنحاء الغرفة  .
 اللون الأزرق  ساد في أجوائها حتى طغى على اللون السماوي لتبدو كمملكة زرقاء  توجت فيها الكتب المرتبة علي الأرفف الزرقاء بغلاف أزرق نقشت عناوينها باللون الذهبي التي تعلو جهاز الكمبيوتر وضع على مكتب لونه ازرق ليلامس الجالس أمامه ظهر السرير الذي كستة بغطاء أزرق مخملي طعمت أذياله بزهر البنفسج ليلامس سجادة زرقاء نثرت في أركانها زهر لم أميز نوعه  إلى أن توقفت مرة أخرى أمام زهر البنفسج و مزهريته التي اختنقت من الرباط الحر يرى الذي أوثق حول عنقها . 
مما أثار في نفسي شئ من الفضول و الرهبة الهادئة لمعرفة صاحبة هذه المزهرية وهل أنها تخنق الجمال أم أنها من كاد يختنق .
أنهت سها حمامها على صوت أمها محذرة من فوات الأتوبيس ..
تناولت إفطارها في عجالة لتلحق بالأتوبيس الذي أعلن عن قدومه للتو .
لحقت بها أمها على أطراف السلم المواجه للباب لتذكرها..
(أم سها)لا تنسي  اليوم عيد ميلاد ندى  ولا تنسي الهدية .
عادت سها من العمل بعد يوم ملئ بالتحديات .
التحدي اليوم في ازدياد ..
خصوصا بعد توليها منصب "مدير إدارة القسم" فلم يكن تحديا لإثبات كفاءتها بين الرجال فقط ولكنه تحدي من نوع آخر مع الزميلات .
لاسيما من أنهن يتضجرن و يشتكين .
زوجي فعل كذا .
أبني مريض      
زوجي يتهمني بالإهمال .
 دوما يعتذرن .
لا يملون من الشكوى .
سها لم تعتذر قط .
لا تمل . تحب عملها ..
بل تعشقه ..
الوقت في  العمل أمانة تخاف عليها  من الضياع  في أشياء لا تختص بالعمل  .
أفكارها باتت همس بين الزملاء لا يروق لهم .
الهمس يزيد . " من الذي جن حتى يفكر في امرأة لا تفكر إلا في طموحها  ؟
جميلة  ! لكنها لا تصلح لأن تتسمع لرجل !
الرجل يريد من يتنصت إليه  .
 سها لا تنصت إلينا ونحن الزملاء والقريبين منها في العمل..
تمل منا ومن شكوانا ..
لقد توج المجتمع طموحها عقبة خاف منه الرجل وخصوصا في دنيا الشرق .
تتصاعد الخلافات من حولها .
من هي سها  ؟
أخيرا ضمتها غرفة نومها .. 
لا أحد يفكر كما تفكر سها . 
تبتسم وهي تراقب وجهها في المرآة  ..
تمسح عن وجهها  بحنان ونعومة  مجهود اليوم و نظرات التعجب والحيرة والغل أحيانا التي تلاقيها مع من تعمل معهم   ..
تعلمت كيف تتجاهلهم بنفس الابتسامة التي تخرس الحروف قبل انطلاقها وتكوين السؤال منها .
( سها ) أنا لا أتحدى الرجل ولا أكرهه  ولكن أين هو.
يداعب وجهها الطفولي نسمات عليلة تقيلها إلى سبات هادئ  لتفيق على صوت يضم الحنين ويوقظ القلب بحنانه قبل الجسد لا يملكه سوى قلب أم .
( أمها) استيقظي يا سها ..
الساعة تجاوزت السادسة  .
أختك سامية اتصلت من ربع ساعة لتأكد علينا عدم التأخير لأنهم سيطفأن الشمع  في تمام السابعة
في السابعة وعلى لحن عيد الميلاد .
أطفأت ندى سبع شمعات ليهنئ الجميع .
سوميه تهنئ أختها سامية .
(سوميه ) عيد ميلاد سعيد يا ندى ..
تقبلها ومازالت عيناها تراقب عين سها  ..
مازالت توجه الحديث لندى .
الأيام مرت بسرعة .. لقد كبرت وأصبحت عروسه يا ندى ..
أدركت سها ما تقصده سوميه سواء بنظراتها أم بكلامها   ..
قابلتهم سها بنفس الابتسامة الغير مبالية وهي توجه الحديث إلى الصغيرة جاذبه ندى نحوها .
( سها) تعالي يا حبيبتي أريك هديتك .
هذا هو جهاز الكمبيوتر الذي أعجبك لقد اشتريته لك ..
صحيح هو أصغر من جهازي
فرحت ندى ثم عانقت خالتها وقبلتها بحب الطفل و قلبه الذي لا يكذب .
تدخلت سامية وزوجها شاكرين لسها هديتها  .
قدمت سامية طبق التورتة لسها وهى تدعوها للجلوس في الصالون ماسحة على رأس ندى
( سامية) اذهبي  يا ندى لتلعبي مع أحمد ابن خالتك
ساحبة سامية سها من يدها ..
سها تسأل إلي أين !
لم يخب ظنها أنه عريس جديد  ..
عين سامية ترقص انتصارا لتقول دون كلام "لا مفر" كنت أنتظر هذا الحفل من أجلك يا سها .
حدثت سها نفسها بصوت كاد يسمع ما العيب الذي أجده في عريس اليوم ..
كيف أهرب من قبضتهم   .. ساعدني يا ربي ؟
ظلت سامية تجذبها لتجد نفسها أمامهم لتعلو ضحكات الجميع .
جلست سها في مواجهة لوجه العريس .
أصوات الشوك ترتطم بالأطباق .
أصوات رشف المياه الغازية .
صوت احتكاك الأحذية بأرضية الغرفة .
هذا ما استمعت إليه أذن سها .
لم ترى سها في الغرفة سوى تلك المزهرية التي نقش عليها زهر البنفسج وحيدة في ركن صامت من الغرفة .
لتجد نفسها أسيرة صوته .
لم تعد تسمع صوت أحد سوى صوته يناديها .
سهــا ســها  سـهـــا.......!
ردت بهمس كاد يدرك الهمس من حولها
أيــــن  أنت ؟
أفاقت علي سهام نظراتهم عندما صوبت نحوها .
هربت دمعة حائرة من عينيها ..
لم  تستطيع من كبح تلك الملامح  التي تصرخ وتناجي .
خرجت مسرعة وسط حرج الجميع .
خصوصا زوج أختها  الذي تربطه علاقة صداقه بالعريس .
لم تدري سها كم من الوقت مضى وكل ما أدركته نفسها وهي تقف أمام شقة ليلى .
دقت الجرس بهسترية لتفتح ليلى الباب وهي قلقة ولسانها يردد اللهم أجعله خيرا لتجد من يرتمي في حضنها و الدمع بحرا يخفي بريق عيناها .
جذبت  سها إلى الداخل  ..
لم تنبث بكلمة واحدة من الدهشة التي سريعا مازالت بعد كوب من الليمون المثلج لتسأل سها نفسها في هذه الأثناء لما ذا لم أذهب إلا لصديقتي ليلى ؟
الآن سيزيد هذا من اتهامها ..
بأنها السبب في خوفي من الزواج و لاسيما بعد إعلان طلاقها .
قدمت ليلى لها كوب الليمونادة المثلج  وهي تضحك مشيرة بإصبعها مؤكدة .
( ليلى) أكيد عريس جديد جن وتقدم لأجن عروسه فملئت ضحكتها صمت المكان .
لم تنتقل عدوى الضحك  لسها ..
أزداد سيل الدمع لتصمت  ليلى  وتحدق في وجه سها بجدية  .
(ليلى) هل حدث شئ آخر غير وجود عريس جديد
 تمالكت سها نفسها وجففت من دمعها لتقول لها .
( سها) قد يكون ما أقوله دربا من الخيال وأنت تعرفينني جيدا
ليلى أن صوته يتملكني أنني أسمعه في نومي وصحوتي  إن  صوته ..
كطارق يدق على  أبواب قلبي .
يعزف لي لحنا يلمس به أوتار كياني        .
ففتحت له كل خلجاتي .
وبتنا نرقص على صوت خرير جدول .
هي ثكنات أنفاسه .
صوته كموسيقى الشرق عندما تعانق بين  أنغامها لحنا اسكوتلانديا  عندما يلاحق همس الناي .
لصوته صدى يضمني كضمة الوليد بين  أحضان أمه عندما يلثم من حبها نبع الحياة .
لصوته مدى يناديني من بين نقرات المطر وصدى الجبل وهمس الندى بين أحضان الأقحوان .
صوته كسيف مسنون يهوي به على الألم ليقتله ما أن أقترب منى .
ربتت ليلى على كتفها مازحة وقالت لها .
( ليلى ) لو سمعك أحد لقال أنك خرجت توا من..............
فضمت سها فمها ليبدوا اكثر صغرا وحمرة وعقدت بين حاجبيها لترفع ما سقط من خصلات شعرها راجعة إلى الوراء لتسترخي وكأنها سلمت ليلى حملا ثقيلا .
حتى بدأت ليلى في مداعبتها مرة أخرى ولم تستجيب .
فلم تلبث حتى وضعت سها يدها على فمها مشيرة إلى ليلى مع إماءه من رأسها قاصدة كفى عن الاستهزاء !
أخيرا فتحت فمها وهمت بالكلام وكأنها عادت توا من سفر بعيد .
( سها ) أنني هنا ليس لتصدقي ما قلته بل لتساعدينني على الصمود  .
فكلما رأيتك تعلمت منك الصمود بعدما انفصلت عن زوجك لغياب الحب [مما أثار الدمع في أعين ليلى ] انك الوحيدة التي تفهم معنى غياب الحب .
( ليلى ) أن  الحب ليس صوت  فقط . 
ولو كان هذا كل ما تعرفينه عن الحب فما عرف الأبكم الأصم الحب .
الكون كله يا صديقتي كلمة حب .
غيابها يعني غياب الحياة .
( سها) أشعر بقربه مني .
فما فائدة الارتباط بقلب لا يكون قلبي ونفس لا تكون نفسي أنه   نفسي وقلبي التي طال انتظارهما  ضحكت ليلى وأرتفع صوت  ضحكتها بالرغم من شحوبها .
( ليلى ) هل أنا أمام شاعرة أم مجنونة لتضع ليلى يدها على فمها محذرة نفسها مما دفع سها للابتسام .
خرجا من قلب الألم علي صوت الهاتف لترد ليلى على صوت غاضب و كأنها من كانت السبب.. لتقول أنها مازالت عندي .
نادت على سها  وهي تضع السماعة جانبا و بسرعة حتى لا تسمح  بعرض الموشح المعتاد .
أمسكت سها بسماعة الهاتف وكأنها تمسك بأخر قطرة من نبض الحياة .
ردت سها  وقد شحب صوتها وكأنه قد أتى من بعيد
(سها) حاضر يا ماما  أنا بخير كنت متضايقة قليلا أن شاء الله أكن عندك بعد نصف ساعة ولم تعطي أمها فرصة للاعتراض ..
تتأسف لليلى ..
بادرتها ليلى قبل أن تكمل كلامها .
( ليلى ) لا تخافي أنني أتقبل الآخرين من أجلك هكذا الحب وأنا أيضا في حاجة لك فلن يفرقنا أحد ودعتها سها .
ليمضي بها الطريق طويلا بالرغم من أن المسافة لا تتعدى المترات وبدا فيه كل شئ يئن كروحها تمتطى السلم ببطء لتجد والدتها أعلي الدرج تقف في انتظارها .
ألقت بنفسها في حضن أمها ..
اصبح الدمع لكليهما كفرس يرنو دون لجام يكبحه ولم تجد والدتها من الكلمات سوى .
(والدتها ) أشك إن حد يكون آذاك وعملك حاجه . الكل يحسدني على جمالك وذكائك ..
ضمتها إلي حضنها بقوه خوف قلب أم .
اعتلى وجهها ابتسامة قد أختف منذ زمن مما أثار دهشة سها .
عندي مفاجأة
 زادت دهشة سها فقد كانت تعتقد إنها ستواجه عتابها وليس ......!
(والدتها) خالك عصام رجع  بعد غربة عشرين عاما .
لم أراه  فيها منذ ذلك الحين .
(سها) أخيرا رجع الحمد لله أنك فرحانة ولكن لما لم يفكر في العودة سوى الآن .
(والدتها) الغائب حجته معه .
(سها ) معك حق ..
خرجت أنفاسها  ساخنة كادت تحرق المجال حولها وهي تقول لنفسها طال غيابك يا من ...
امتلئ المنزل الصغير بالفرحة ولحقت به الزغاريد صحيح العدد قد تغير ..
الملامح تغيرت إلا أن الفرحة في القلب لم تتغير وكأن الغربة ما كانت ..
اختلطت الدموع بالضحكات والهمسات بالقفشات
تضحك أم سها  وتبكي كل في آن واحد ولما لا .
والأخ آمان وكلمة يصرخ بها الإنسان لحظة الألم ..
امتداد للوالدين الراحلين عن الحياة  ..
فرح الأبناء بكلمة خالي وخصوصا بعد وفاة والدهم لتقول أخته الوحيدة   
(أم سها) لم تتغير يا عصام .
هب عصام واقفا وكأنه نسى أهم ما في غربته ليخرج من حقيبته جهاز تسجيل صغير وبدأ في تشغيله وسط استغراب الجميع يا ترى ماذا أراد أن يسمعنا والكل يحذر .
قد تكون احدث أغنية وقد تكون وقد ..
وفي هذه الأثناء كانت سها في المطبخ تحضر ما أعدت من حلوى وهي تقول أنا  في الطريق انتظروني ولا تسمعوا بدوني  وفجاءة .
سمعت ما انتظرته بعمرها كله.
(سها ) صوته أنه هو ..
صرخت وهرولت في اتجاههم وهي تقول أين هو؟
(أم سها) من يا ابنتي
( سها) أنه يناديني ..
 تسابقت ضحكات الجميع ليرد خالها
(عصام) انه صوت جدك كان يحبك كثيرا وكنت متعلقة به أتذكرينه وقد احتفظت بالتسجيل وقمت بتجديده وإصلاح الصوت حتى يكون أول هدية وخصوصا لك يا سها
(أم سها ) شكرا يا عصام فعلا هي أغلى هدية .
 توقفت سها عن الكلام ..
كأن الحياة  رحلت مع من رحلوا فهوت من نفسها وتمتمت بكلمات لم يفهمها أحد سوها .
هل أحببت الخيال وبت انتظره ..
لا  .. لقد كان جدي  .
لم يدرك أحد ما كانت تعنيه سها ..
كلمات كانت ترددها وهي طريحة الفراش 
مضى عليها يومان لتفيق وقد وجدت من ينتظرها وابتسامته تبتر حزنها ليقول لها هامسا ..
(د/ أحمد) حمدا لله على سلامتك يا سها ولن أسألك عن السبب إلا انك ستبقين معنا هنا ثلاثة أيام أخرى للاطمئنان بأن ما حدث لن يتكرر مجددا
لم يصدق زملاء العمل فجاءوا بالزهور .
أعينهم تقول لقد سقط الحصن أنها آدمية مثلنا...!
حنان أحمد نبرات صوته
همسه  ثكنات أنفاسه كانت تقول لسها   .
عاد الغائب
وما هي إلا أيام وكانت سها زوجة أحمد ..
جلسا سويا بغرفة نومهما التي كانت بلياليها أبرع من سحر الشرق وقت السحر ..
ليقول احمد وقد سطعت عيناه ببريق الربيع أوان منجاة القمر للسهر يوم بدوره .
( أحمد ) سأبوح لك بسر يا أغلى من نفسي
أنني لم أحب أحد سواك ..
كنت دوما في انتظارك .
لما كل هذا الغياب عني ؟
وبدهشة العارف !
(سها) أنا !
(أحمد) نعم أنت فقد كنت أسمع صوتك .
أراك في صحوتي و منامي ولا أستطيع أن ألمسك كطيف الشمس   و ضوء  القمر ..
كلما استيقظت كنت أصرخ وأنادي أين أنت يا نور حياتي وقد ظن أهلي أنني قد مسني الجنون ..
فعندما رأيتك أول مرة  ..
تأكدت من أنني لم  أكن أحلم فأين كنت مني يا سها
ضحكت سها ..
أدركت في هذه اللحظة أنه هو و قالت له
( سها) ربما تختلف النبرات لاختلاف الأوتار
وسيظل دوما من بين اهتزازة الوتر  حياة
لقد كنت يا حبيبي نغم من بين الأوتار
طال انتظاره .
اغترفا من همس الحب كأسا ملئه شوق السنين  .
وعلى ضوء الشموع أضيء القلب والجسد بنور أنار عمر مضى في الانتظار .
قطع تلك اللحظات رنين طويل يأتي من مكالمة خارجية ليرد أحمد كلمي يا سها
لتجد على الطرف الآخر من يقول :
مبروك يا أعز الأصدقاء  .
أنا الآن في طريقي إلى كندا .
لقد عاد الحب يا سها ..
لقد عدنا يا سها ..
ضحكت سها لتقول
(سها ) وعاد الغائب يا ليلى
وضعت سماعة الهاتف لترحل مع أحمد إلى دنيا صنعها الحب السرمدي
خالدة كخلود الحب في الكون  ..
ليبقى ما بين الأوتار .. نبض حياة .


  
                                               
                                                       

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أبكي صمتي

ابكي الخوف صمتي وصانعي خوفي لحني لما انا وهم قدري لا .. انا  اصرخ  !! كفى !!! ولاقول لن اكون إلا !!!أني عاشقة ... من زمن عشقي. ...