الاثنين، 7 فبراير 2011

ابتسامة خرجت من الإطار


ـــــــــــــ  ابتسامة خرجت من الإطار



مد يده الصغيرة ..
حاول أن يصل إلي فمها الذي لازال يبتسم ..
الصغير مازال يحاول ولا فائدة ..
الابتسامة في وجهها قريبة من فمه ..
 
مد شفتيه إلي الأمام ثم أرجعها إلي الخلف .. يقول وصورة وجهه قد انعكست على الزجاج الذي وضع أمام الابتسامة ..
قال لنفسه إنها ابتسامة من وراء الزجاج ..
والده يحاول انتزاعه من أمام التابلوه المبتسم ..
ثبت الصغير قدماه في الأرض ..
أصر لن ينتزعني أحد من أمامها ..
نظر والده في الساعة ..
قال لقد تأخرنا كثيرا ولم ترى يا بني من المعرض إلا هذه اللوحة ..
كم بقي من الوقت ويغلق المعرض بابه يا أبي ..
لم يتبقى سوى ربع ساعة ..
تشبث الصغير بيد أبيه يرجوه أن يتركه الربع ساعة الأخيرة أمام ابتسامته ..
قهقه الأب ضحكا حتى ترامت صوت ضحكته بين الجدران فرنت بصدى أعلى فأنتبه من كانوا يقفون في المكان ..
أدرك انتباه الناس له فخجل من ما فعل فأحس وكأنه صرخ في صمت الليل هكذا خيل إليه عندما لاحقته أعين الناس من حوله بعدما أداروا أعينهم عن لوحاتهم لينظروا إلي صاحب القهقهة ..
فوجده يقف أمام من تبتسم فبادروه بابتسامة باردة وهم يسألون أنفسهم هل
استطاعت هذه الابتسامة التي لم يستطيعوا الوقوف طويلا أمامها انتزاع هذه الضحكة وسط هذا الصمت ..
هم لا يعرفون ..
الصغير أدار وجهه عن الابتسامة التي تسكن وراء الزجاج وأخذ يتفحص كل الابتسامات ابتداء من وجه أبيه و قهقهته إلي أخر ابتسامة باردة.     
قال بصوت عال لفت إليه انتباه الجميع وهو يسأل والده لماذا لا أحد يبتسم مثلها ..
أعلن صوت الإذاعة الداخلية عن انتهاء مدة الزيارة ..
خرج الجميع والصغير مازال يلح في السؤال ..
لازم الصغير في هذا اليوم المرآة ..
جرب كل الطرق ليرسم بفمه هذه الابتسامة .
غضب من المرآة جرى نحو أبيه ..
طلب منه أن يمنحه فرصة أخرى ..
سأله والده أي فرصة يا صغيري التي تريدني أن أمنحك إياها ..
أبتسم الصغير وكاد يبكي في نفس الوقت ..
فقال له والده أتبتسم وتبكي في آن واحد يا صغيري !
ما هذه الفرصة التي من أجلها اختلطت  كل مشاعرك
أريد أن أراها مرة ثانية وأبتسم مثلها .
تذكر والده تلك اللوحة المعلقة بالمتحف وقهقهته حين نظرة الناس إليه ..
تراجعت الابتسامة في وجهه ..
يسأل نفسه لماذا هذه الابتسامة يا وحيدي لماذا ؟
ربت على كتف صغيره ووعده بالذهاب إلي المعرض مرة أخرى بالغد إذا ما هدئت الأوضاع وتوقف القذف ..
أذعن الصغير إلي كلام أبيه على مضض ودخل غرفته ووقف أمام المرآة يراقب وجهه لعله يستطيع أن يبتسم مثلها ..
ما أعجب هذا الصبي يبحث عن ابتسامة صغيرة بين كومة من الابتسامات هل تملك هذه الابتسامة سر جعله ولأول مرة لا يخاف من أصوات الدبابات ..
وقف الصغير ومازال يقف أمام المرآة  يتأمل وجهه الصغير وهو يحاول الابتسام ..
ارتفعت أصوات المدافع ..
توالت القذائف ..
الأب الملهوف يبحث عن الصغير في كل مكان ..
مستحيل   ! أن يكون بغرفته الآن ..
ربما يكون قد سبقني ونزل إلي المخبأ ..
لا بأس أن أنادي عليه قد يكون هنا أو هناك .
لا أحد يسمع ..
 الصغير لم يستمع إلي شيء ..
راح يبحث في عالم الابتسامات عن ابتسامته التائهة بين كل الابتسامات ..
مازال الأب ينادي لا فائدة ..
لابد وأن يكون قد سبقني إلي هناك ..
توالت القذائف ..
العدو على الأبواب ..
وصل الأب إلي المخبأ وأخذ ينادي على صغيره نضال .. أين أنت يا ولدي ..
الظلام في المخبأ خبأ له القدر الصامت من بين كل الأقدار ..
صرخ فشق سكون الموت الدامس الذي خيم على المكان ..
أين أنت يا نضال .. 
لا صوت قال أنا هنا يا أبي ولا أم قالت أين ولدي نضال 
رحلت أمه مع من رحلوا ..
إلي عالم الصمت الدافئ الذي يعيش فيه كل الشهداء
الصغير مازال يبتسم ..
أخيرا تذكر أين رأى هذه الابتسامة ..
أنها كانت على شفاه أمي لحظة ما قتلها الأعداء ..
لم تمهله المرآة ..
لم تمهله قذائف الدبابات ..
الآن الابتسامة خرجت من الإطار وحلقت على فم  الشهيد نضال ..
الأب المفجع في وحيدة يستصرخ ويصرخ ..
أقسم بالله ..
ستعيش إلي الأبد ابتسامك يا نضال ..
سأزرعها نار في كل درب  ..
يعيش فيه الأعداء ..
سأقتلع بها الأمن في قلوبهم ..
سيظل عدوك  يبكي من ألمها ..
يخاف منها ليل نهار ..
الآن لا وقت عندي لتقبيلك فالثأر أصبح يا ولدي ثأريان ..
هل عرفت يا صغيري لماذا أردت أن أخفي عليك سر الابتسامة التي كنت معجبا بها أنها كانت ابتسامة الشهيد الذي لحقت به يا نضال.. سأرسمها على قبرك ابتسامه ثأر من نار مادمت على قيد الحياة ..
                                              بقلم / اللوتس
                                               31/3/2002

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أبكي صمتي

ابكي الخوف صمتي وصانعي خوفي لحني لما انا وهم قدري لا .. انا  اصرخ  !! كفى !!! ولاقول لن اكون إلا !!!أني عاشقة ... من زمن عشقي. ...