ماذا حدث لتلك المرآة ؟
هل أصابها مس من الجنون ؟
لماذا تراقب زوجتي وهي نائمة تضم بين أحضانها صغيري ؟
يمعن النظر إليهما من خلال المرآة و كأنه يرى حبيبته ناهد لأول مرة ..
يقول لنفسه : لن أصدقها فناهد حبيبتي لوحــــة جميلة رسمها حبي لها والذي تخطيت الصعاب من أجله ..
لتكن ليلة العمر باهرة كنور الحب بيننا عندما ملئ أعيننا حتى فاض وأبهر كل من شــرف هذه الليلة بحضوره .
الزائر مازال يتحدث عن عش الزوجية الذي لم يكن أقل جمالاً من ليلة العمر .
اتسعت حدقة عيناه ..
اقترب من المرآة حتى كاد يلتصق بها ..
عين المرآة سهام وجهت إلي عينية .
إنها قاصدة إظهار ذلك الشعر المتهدل .
الذي كان تمر عليه نسمات الصيف الحالمة حتى تعانقه بين أجنحتها فتطير به إلي أعلى من السحاب فيلتهب جمالها ليزيد جمالا علي جمال .
أما الآن ..!
ضم فمه تحسراً ..
فيا للأسف ! أنني أخجل من قول هذا ..
فقد تظنون بي الظنون ولكن علي ما يبدو أنها الحقيقة التي تصر المرآة علي كشفها لي ولكم ..
لقد تناثرت الخصلات التي كانت كستنائية بوحشية وكأنها أغصان شجرة عجوز غرزت أشواكها بين نسيج الوسادة الحريرية التي احتضنت رأسها بعدما عصبتها بشدة برباط على الجبهة ممــــــــا أظهر العينان التي تغطى جزء منها بالعصــابة كبقعتين داكنـتـين وقد اختــــلط الكــــحل بظلال الجفون التي قد تكون منتفخة ..
مسكينة زوجتي فلم تعد تعرف ليلها من نهارها من بعد مجيء الصغير .
لذلك سأدير عيني بعيدا عنك ..
أنا متأكد من خداع هذه المرآة فسهامها حاقدة غيورة . هز رأسه مؤكدا غيرتها...
يقول : أجل فمعي الحق أليست هي تلك المرآة التي كانت تنبهر بجمال حبيبتي فتغريها بالوقوف الطويل أمامها ..
ألم تقل عنك يا حسودة من أنك دوما كنت تجذبينها ببريقك وصفاء ألو انك أما الآن فماذا تقصدين بهذا .
ومع ذلك فجعلتني أسافر بين نفسي حتى وصلت المحطة التي سهرت فيها الليالي والسهد وجد لا يفارقني
عندما كان الدمع يتساب فوق خديها كلؤلؤ ساقط من بـــــين أنامل الحور .
أهدابها الناعسة كانت تؤثرني وتناجيني بل تضمني قبــل حضنها ليتبتل قلبي في محراب إرضاءها ..
الابتسامة في عينيها كم أثرتني لأنها لم تكن أقل سحرا عن ابتسامة ثغرها .
ابتسامة كانت تشجعني وأخرى تأخذني إلى أبعد من نبض النجوم ...
كلها يواسيني .. يسليني ..
في هذه اللحظة بهتت كل الصور ولم يعد يرى سوى حبيبته كما عرفها أول مرة .
قائلا لنفسه : بهمس مسموع راجيا من نفسه تصديقه ..
كل ما حولي يريد تحدي حبي لها وخصوصا ً تلك المرآة اللعينة ..
سأحطمها
لن تستطيعي السخرية مني بعد اليوم ..
يداه تتوقف ..
الطفل يبكي ..
تخرج ثديها تضعه في فم الصغير ..
الصغير يرضع .
يعـــــــــــم الصمــت
عاد خالد يحدق في المرآة ..
ضجيجا ً من نوع آخر قد أصاب نفسه .
ما هذا ؟ ألم تكفي عن الاستهزاء بي آيتها الملعونة ..
الصورة في هذه المرة بدت أشد قسوة ..
أعرف ما تقصدين .
الثدي الذي حمل همومي وبت بين أحضانه أرتوي من رحيق الحب ..
أغتصب ..
ما عاد يرويني ...
اغرورقت عيناه بالدمع ..
سأل نفسه : أهي فرحة قدوم ولي العهد الذي سيمد أسم عائلتي ؟
أم صرخة من مستغيث
من أنا ؟
أين أنا منك الآن يا حبيبتي ؟
هم يضرب المرآة بيده ..
تذكر وقد تهكم من نفسه ..
هذا يوقظ الصغير وقد لا ينام هذه اللـيلة
لتظل ناهد تدور وتدلف به من غرفة إلي أخرى وتهدهده كالأمس
بل ككل أمس...!
وأنا راقد على مخدعي ..
أعانق وحدتي وصدى صمتي يعلو ..
يصرخ بل انه يستغيث ..
كيف استغيث بمن لا يسمع ولا يري يا ناهد ......
خرج خالد من غرفة النوم لينتقل من غرفة إلي أخرى وكأنه يبحث عن شئ ضائع منه ..
أخيرا .. أستقر في الشرفة بعد أن ألقى بجسده المنهك على الكرسي .
تعلقت عيناه بذلك القرص الذهبي الدامي ..
الشمس ترحل .. تتهادى .
يلامس شعاعها الأحمر الدامي كل شي .
ثم ينسلخ عنه ببطء ..
تختفي .
ليست بين الأفق لقد خبأتها المباني الشاهقة الارتفاع
تملكه غضب شديد .
أريد أن أرها لحظة تثنيها بين طي الأفق
لن يحرمني أحد من رؤيتك ..
لم أدرى بنفسي سوى أنني في سيارتي ..
أسابق زمن رحيلها ..
هذه المباني لا تنتهي حتى توقفت تماما ..
لقد غربت ومازالت تلك المباني تحرمني من وداعها .
هل أعود إلي المنزل ولكن لمن .؟
لمن أعود ؟
ولم أنتبه إلي الوقت الذي استغرقته وأنا أقود السيارة حتى كنت في مكتبي ..
فربما كان ساعتين
أجل . لأنني كنت ألحق برحيلها منذ الخامسة و الآن الساعة السابعة .
أيقظته من الذكريات رائحة العطر الذي كاد يمزق الحنين والصبر داخله ..
ليقول لنفسه إنه ل ...ناهد . .
ناهد ..!
أين هي ناهد الآن ؟
قد يكون حلما !
لا ليست وهما أ حلم به ..
إنها رانيا ..
السكرتيرة الجديدة فلابد من وجود هذه الحسناء المثقفة التي تجيد أكثر من لغة وبرمجة الحاسوب لتدير العمل . وتهكم من نفسه وهو يقول إنها ولابد منها ..
أقصد أنها قد أصبحت الآن من الكماليات لرجل الأعمال الحديث وفي هذه اللحظة عدل من الكرافتة بحركة تلقائية وهو يكرر كلمة رجل أعمال ..
بالتأكيد قد اكتملت هذه الصفات كلها في ذلك الوجه المشرق (رانيا) ومازال يتهكم ويؤنب نفسه لوجودها وهو يقول ليتني لم أستمع إلي كلام أحد ..
ليس من الضروري أن تكون السكرتارية امرأة ..
امرأة في البيت وهنا !
دخل غرفته مسرعاً ..
اغلق الباب خلفه ليمنع ذلك الشعاع المتلصص لطيف رانيا من الدخول عليه .
إنها خديعة ..! ومازال يردد ذلك لنفسه
إلي أن طرقت رانيا الباب ..
وقبل أن تدخل سبقها طيفها.
ليضحك الطيف في وجه قائلا ..
لن تستطيع أن تقاومني .....!
لقد انتصرت ..
سألت رانيا في محاولة لإضفاء الجدية ..
قائلة : سيادتك حضرت متأخرا ً..
لقد اتصلت بك في المنزل ..
فلعل المانع خيرا ً ؟
صرخ خالد في وجهها مدافعا ً عن نفسه من ذلك اللص الذي بدأ في التسلل داخل قلبه ليقول بهمس كاد يكون مسموعا ً : لن أسمح بذلك !
اعتذرت رانيا قائلة : لم أقصد إزعاجك إلا انك طلبت مني تذكيرك بميعاد ك مع سيادة الوزير الساعة السادسة
أكرر أسفي مرة أخرى
بالرغم من عدم إدراك رانيا لحقيقة ثورته إلا أن ابتسامة عذبة أحاطت وجهها قبل أن تخرج من الغرفة جعلته نادماً ..
ليقول لنفسه مؤنبنا سأناديها واعتذر لها ...
لا لن أسمح لهذا اللص ......!
لم يترك طيفها الذي حصاره بعد خروجها له الفرصة للتفكير حتى سبقته يداه على جهاز المناداة .
كلمات الاعتذار كانت أسرع من أن يمسك بها ..
تلعثمت الكلمات في فمه وتلجلجت و أخيرا أمسك بأخر قطرة منها ليهرب من قبضة ذلك اللص الرائع الذي جعله يذوب في سكراته ..
ركب سيارته مسرعا يحاول الفكاك من أثيرها الذي مازال يلحق به .
ضغط على البنزين بقوة ليكون أسرع في طريق عودته للمنزل .
يدير المفتاح في الباب .
توقف .
ثم دق الجرس وبشدة حتى يستيقظ النيام
هبت ناهد لتفتح الباب ..
مازالت تفرك عينيها وتلملم ما تفرق من تلك الأغصان المتشابكة التي كانت تدعى خصلات الحرير وعيناها معلقة بالساعة المعلقة على الحائط ..
تكلمت بصوت بالكاد قد سمعه خالد ..
لم أنم سوى أربع ساعات من عشية الأمس ثم ترنحت بجسدها المتثاقل إلي غرفة النوم .
جذبها خالد من يدها وبعنف حتى تأوهت من قوة الجذب
نظرت إليه باستعطاف المنهك ..
ليبادرها قائلا : أفيقي أريد أن أتحدث معك .
سألته بعد أن وعت إلي ما حولها : هل حدث شيئا يا خالد ؟
رد خالد ونبره صوته لا تخلو من التهكم والعنف وعيناه تتحدى أي نظرة تعجب أو تهكم قد تصدر منها ولو من دون قصد .
قائلا : أليس من حقي أن أقول أنني بحاجة إليك .
ضحكت ناهد وملئت بضحكتها المكان ..
أستيقظ علي إثرها الصغير لتتراجع إلى الوراء ثم أسرعت إلى حجرة النوم كمن ينقذ أحد من كارثة على وشك أن تحدث دون أن تلتفت إلي خالد
قائلة : لابد أن أرضعه قبل أن يستيقظ .
أشار إليها خالد باستهتار
قائلا : أذهبي .
ضحكتها ترن في أذنه كسخرية كل البشر..
رمي جسده على الكرسي ..
فتح التلفزيون و أخذ في تعلية الصوت ليملأ الضجيج المكان ..
قد يستطيع الضجيج إخماد تلك الثورة من إخراج صرخته أو يخفيها بين أمواجه
يصل صوت ناهد مختلطا بالضجيج من غرفة النوم التي شهدت أحلى ثورة لبركان الحب ..
أخفض صوت التلفزيون يا خالد .
سامي بدأ يقلق !
أغلق خالد التلفزيون وهو يردد بصوت بالتأكيد قد سمعته ناهد .
سامي . سامي .
هل لا يوجد في الدنيا أحد غير سامي
بد أ يحدث نفسه أنني لا اكره سامي
سامي أبني .
لكنه يسرقني ..!
لا بل هي التي تسرقني ...
هي التي تسرق حبي لها وتلقي به في مأوى النفايات
لا ... لن أدعها تكمل لعبتها الخبيثة بعد أن جاءها البديل
قذفت بي لتمارس معه نفس اللعبة ..
توالت الدقائق ثقيلة ونادت ناهد علي خالد
تعالى يا حبيبي لقد أعددت لك العشاء .
حبيبي ..
كلمة أذابت نهر الجليد ونسي خالد الكثير والكثير بين الشموع ورائحة عطرها ولم تكتمل الفرحة وتتركه ليكمل عشاءه ..
مضت ناهد لتمارس الحب مع المنافس الصغير .
يمضي اليوم وراء اليوم والألوان في المنزل تزداد بهتان و رونقها أخذ في الانطفاء ورائحته تزداد سوءاً لاختلاط رائحة الطعام بالأثاث ..
تيارات الهواء تمرض الصغير ..
كل شئ في المنزل أصبح من أجل الصغير .
المكتب ...
بل رانيا أصبحت الزهرة الوحيدة التي لها لون و رائحة في هذا العالم ..
الذي أصبح أصم ..
إلا من صوت رانيا وطيفها وحارت الأسئلة داخلة ..
هل أنا خائن . ؟
تجيب نفسه تارة لقد سبقتني ناهد و خانت وعودها لي
سأل نفسه .
هل اقترب من رانيا .
إنها تدللني .
إنني خلقت وتاجي من هذه الأحاسيس . أجل !
لست وحدي الذي يطالب بها ..
إنها غريزتي التي فطرت عليها كحاجتي لأساسيات الحياة .
أدم أبو البشر طلب من مولاه هذا !
جمال الجنة كلها لم يغنيه عن الحب ..
دلال الكون وملائكته له لم يغنيه عن حب امرأة .
أريد أنثاي التي تدللني كطفل بين أحضان أمه ..
تشعر بي وتشعرني بسموي بين الخلق حتى أسمو بحبها وأرتفع إلي أعلي من السماء .
لأقطف لك يا حبيبتي من نجوم السماء .
نجوم السعادة وأنظم لك عقداً تتباهين به بين نساء الكون
أرجو أن تفهمني يا حبيبتي كما تفهمين وليدك
أنا في أشد الحاجة لك كحاجة الوليد لنبع حبك
أعطني رعايتك ..
خوفك على و لهفتك للقائي
أعطيك الأمان والحب
بل عمري الذي أضحي به من أجلك ..
صوته يتحشرج وكأنه يستغيث .
أرجوك عودي ..
عودي يا حبيبتي قبل أن .......!
قبل أن أضيع بين دروب البحث عنك يا من تعمرين ذاتي فينبض قلبي بحب يفيض و يحيني ...
فأملأ الكون حبا كنت أنت نبعه .
تنبه خالد على صوت عقله الذي بدأ في ثورته ليقول له كلهن يا خالد كبعضهن رانيا كناهد ..
كلهن مصيدة مسحورة لا ترها إلا عندما تدخلها لتحي فيها بعمر مسلوب وعمل لا جدوى منه سوي إطعامهم .
هل خلقت من أجل سد مطالب اثنين فقط ..
فمن أنا..؟
لا .. لرانيا ولا .. لغيرها ..
سبق طيف رانيا جمالها وعذوبة صوتها .
سبق ما كان يكنه لها من حرب لا مبرر لها سوى المعنى في قلب الشاعر .
بدأ مع رانيا يقترب من خالد من ابتسامة من حيويته ..
ينسلخ من قلب الكهل ليملأ الشباب روحه ويرقص قلبه فرحا علي نغم السعادة التي أعادها له اهتمام رانيا الذي يزيد كل يوم عن اليوم الذي سبقه ..
اهتمامها بتفاصيل حياته أصبح من صميم عملها .
الكلمات في فمه تتراجع عن إظهار ما يشعر به نحوها فشئ ما يجهله هو السبب في صمته ..
أهي صورة ناهد ..
أم نظرة يراها في عين رانيا .
توقفت الكلمات في فمه..
اليوم يبدو باردا .
نسماته كصقيع الثلج .
دخلت عليه رانيا بدفء قلبها لتضفي دفئا أشعل قلبه ليهم فمه المتلعثم بالحديث ..
أخيرا سأبوح لها بسري وسرها ..
سبقت يد رانيا بتقديم ما بيدها ( إنها دعوة ) قدمتها والفرحة تملأ وجهها ..
توقفت الكلمات في فمه مرة أخرى ..
ولكن هذه المرة توقف وللابد ..
فتحها خالد ودقات قلبه يسمعها الكون الصامت ...
وجه يبتسم في رضا ليقول لنفسه ..
سأكون مخادعا كطيفها ...
باركت لها وقلبي لم يعد اسمع دقاته فقط .
أنه كطفل أنفطر من البكاء لفقد أمه ..
بل فقد نبضه ..
خرجت مسرعا وكأنني علي موعد ولكن إلى أين ؟ ..
إلى ناهد ..
لا ..
إلي أين ؟
كل هذا بسبك يا ناهد ..
جعلتنني خائنا في نفسي وسارقا أيضا ..
الحمد لله أنني لم أتكلم مع رانيا ..
اهتزت السيارة وأفقت على صوت نفير سيارات محذرا
أخيرا تنبهت إلي من قذفني بوابل من الطلقات السمعية ما وصلني منها سوى بطل الهباب الذي تتعاطه ..
صرخ خالد قائلا لقد شربت كأسا مسحورا .
جعلني زاهدا في محراب سيدتي ..!
ضرب السائق كفا بكف فلم يفهم شيئا ..
واصل كل منهما السير .
وبالرغم من تخطي السيارة للسرعة المسموح بها
إنني لم أشعر إلا و كأنني أمتطي ظهر سلحفاة ..
نفسي تسألني وتلح علي بالسؤال ..
لما كل هذه العجلة ..
ليس في البيت من يستحق كل هذه السرعة ..
هل ارتمي في حضن ناهد وابكي وأقول لها أرجوك ضميني . .
احميني من حاجتي إليك ..
لا ..
لن أبوح لها ..
كرامتي ..
الأفكار تتوارد .. تتثاقل حتى ثقل جسدي معها ..
كأنني أصبحت كهلا .
أقترب خالد من باب المنزل
يداه علي الجرس ..
شئ ما أوقفه ..
جعله يرهف السمع ..
أجل أنه صوت معزوفتي الحالمة التي طالما جمعتني وناهد لتقدم لنا كأسا يسكر الحب بينا .
ينزل يداه من علي الجرس ..
أدار المفتاح في الباب .
أشرقت نفسه ..
أحس في نفسه كم كان خائنا عندما أنساب العطر من أرجاء المنزل ..
أضيئي كل أركانه ..
الأثاث التي غطتها الغبار .
أصبحت تبرق .
ناهد تقف أمامه ما أروعها ..!
يبدو إنها شعرت بي لقد ظلمتها فما أقسى قلبي عليها .. إنها تنتظر لقاء قلبي الذي كاد يقذف بحمم الماضي جانبا في ركن مجهول من قلبي الحائر ..
بريق عين ناهد أعاد كل شئ إلي مكانه..
الفرحة عادت فجعلت خالد يرقص بين أحضان حبيبته التي ذاب عشقا لقربها وغدا ضائعا من إهمالها ..
ضحكت ناهد
عيناها تتساءل ماذا دهاك يا خالد ..
ردت عين خالد السؤال بسؤال .
بل .. قولي لي أنت أين كنت مني ..
توقفت ناهد عن الرقص وعيناها علي الساعة ..
لقد تأخروا ..
سألها كمن أصابته الحمى وهو يبتلع ريقه بصعوبة ..
من الذي تأخر ..؟
ردت ناهد بفرحة الطفل الذي صنع شيئا يسعد به والديه
خالي وزوجته .
في هذه اللحظة طار الحمام من عشه ..
أغلقت الأبواب بعنف ..
ترك خالد المنزل ..
ناهد مازالت لا تعي شيئا .
بكت ناهد في هذه الليلة بكاءً أثقل الجفون .
بكى الصغير بين يديها . .
يبدو أنها أرضعته آلام والحزن ..
ارتفعت درجة حرارته ..
لم يأتي خالد في هذه الليلة .
اتصلت ناهد بأهلها ولأول مرة منذ خروجها من منزل أبيها تدخله مقيمة وليست زائرة وبجوارها ضيف صغير يبكي هو الآخر .
حارت أفراد الأسرة بين الفكر..
ماذا حدث ؟
ناهد تقول لنفسها : هل فعلت شيئا يستحق كل هذا ..
أشعر بخيال امرأة غيري ..
يلوح لي منذ فترة في الأفق ..
أنه يهرب مني ومن الحديث معي ..
عيناه تهرب من لقاء عيني ..
شئ ما كخيط الحرير يفصل الحب بيننا ..
كان يوقف المبادرة منى ليغلق الهمس بيننا ..
يمضى اليوم الثاني وخالد لم يرفع سماعة الهاتف .
يتساءل الأب : ما الجرم الذي فعلته ابنتي ..
أمها تصرخ لابد وأنها الخيانة ..
ناهد تشحب ..
تموت الابتسامة بين ثغرها .
الكلمات في فمها توقفت .
سوى كلمة لاشيء التي نطقتها بها بعد طول إلحاح ..
سامي يستعطفها ببكاءة ..
لا وقت لدموعك يا أمي .
أنا أحق بحنانك ..
غرفتها الصغيرة تشع ببريق الحياة ..
البريق يعود لعيني ناهد ..
الشمس تنشر نورها في كل أرجاء المنزل الصغير
بيت أبي صغير ولكنه يشع بنبض الحياة ..
بيتي كبير ولكنه مظلم باهت .
غرفتها الصغيرة حملت بين أركانها ذكريات الطفولة والشباب فبعثتها من جديد فنبضت حية من بين ذكرياتها التي طوتها في بئر النسيان عندما لامست قدمها عش الزوجية .
الذكريات تغزو أفكارها رويدا . رويدا
الابتسامة تعود ثم تبهت عندما تلتقي عيناها بالصغير الذي يبحث عن أباه .
فتشت في الأدراج وحنين الماضي يعيد إليها البسمة .. مجلة الكلية التي كانت ناهد رئيسة تحريرها لمدة أربع سنوات ..
مدة دراستها في الجامعة .
الموضوعات التي كتبتها ولطالما أثارت الجدل ..
أول ما سألته لنفسها .
أين ناهد ومن هي التي تقف الآن أمام المرآة ..
نظرت إلى صورتها التي كانت تملأ أركان غرفتها وصورتها في المرآة الآن ..
بينهما شتان ..
تلمست الثنايا التي بدت واضحة ترسم خطوطا على وجهها حتى توقفت فجأة وتذكرت تلك المقالة التي أثارت ضجة بين الجنس اللطيف .
بحثت عنها في الأدراج ..
إنها بين يديها ..
تعيد قراءتها ..
توقفت عند ذلك المقطع .
[أعلمي يا صديقتي أن هناك فرقا بينك وبين الرجل حتى لو جمعك أنت وهو مقعد واحد بين جدران الحرم الجامعي وتساوت كفاءتكما في كل شئ سيظل هناك فرق..
لقد خلق الله تعالي المرأة من أجل أنس الرجل . فالرجل كتلة نهمه للحب والأنس هكذا خلق .. وقد خلقنا نحن لسد هذا الجوع النهم فأين نحن منه الآن ولذلك سيظل يبحث عن زاده الذي يحيه كرجل إلى أن يصل إلى فرط الرجولة وما أن يرتوي حتى يملأ الكون بالحب السرمدي الذي من أجله يقتل الرعب من القلوب الوجلة .. والأمن من نفوس الخائنين ويمحو اللون الأصفر من الصحراء ليزرع الأخضر بأيمانه الذي شربه حتى أرتوي من نبع الحب الذي وهبه لك الله يا أنثي بل كل إناث الكون لقد خلقتن من أجل هذا وأن خرجتن عن الفطرة تهتن وتاه معكن الرجل ويسبقه معناه كرجل وعندها لا تلمن إلا أنفسكن]
وتوقفت ناهد عند هذه الكلمات كثيرا ..
ثم أنبت نفسها ..
وهي تخبط كفها برأسها ..
خالد .. لقد ظلمتك
لقد نسيت معني الأنس ..
لقد جعلت من عشنا دارا للغرباء..
فبات الحب فيه غريبا عنا .
خالد الذي نعم بعناق يدي وهي تعانق أوصال روحه التي طفت فوق جسده ..
أنفاسنا التي كانت لا تتوقف عن اللحاق بدقات قلبنا سوى للخلود بين أحضان النوم الذي هرب من لهيب أنفاسنا ..
وضحكتنا.! التي جلجلت حتى صاغت نغما يتصل عند توقفنا ..
وذلك اليوم عندما جففت بالفوطة جسده وألبسته ملابسه كطفل صغير والضحكات تعلو .
يمسك بيدي ويقبلها وهو يقول لي من تظنيني ؟
ينبض الثغر بأحلى الكلمات ..
أحبك يا ماما ..
أحبك يا معشوقتي .
يا أجمل نسمة في عمري .
أحبك يا .
تبرق عين خالد يقول : عديني يا ناهد ..
لن تحبي أحد أكثر مني .
لن أعدك يا خالد لأنه لن يوجد من أعشقه سوى ......
واحد من الكل .................!
تضحك الكلمات لتذوب بين لهيب الثغرين
تعود ناهد من رحلتها داخل ناهد .
تصرخ منذ متى وأنا نائمة ......؟
لم تنتظر وأمام والديها تدير سماعة الهاتف ..
أبوها يضحك وأمها تصرخ . ابق على كرامتك
ناهد لا تبالي وصوتها يبكي .
لا يا حبيبي ليتك أيقظتني ..
أعلم أنني كنت نائمة .
لا تقل شيئا ..
ليس كل شئ الوصول إلى قمة الحب ولكن ما هو أهم الحفاظ عليه ليكن دوما في القمة وإذا ما نمت يا خالد .
أيقظني ..
لا تتركني أخلد إلى هذا السارق ولا تغلق الباب بين قلبنا
حبيبي .. حاسبني ..
أخرج من دنيا الصمت ولا تلقي بحبنا فيه ..
ولكن قبل ذلك عدني أنت ..
من تاه منا يبحث عن الآخر
إنني أحبك و لن أتركك تبحث عني في الصور ..
يا معشوق نبض قلبي .
يا واحد من الكل .........!
لا تأتي لتأخذني من هنا ..
سآتي إليك أنا ..
ناهد . وليس ...................!
عادت نبرة الحنين ..
رحل الغريب .
لم يعد الحب غريبا في عشه
تعلم خالد كيف يكون أبا ..
شارك ناهد مسئوليتها لسامي ..
ترعرع سامي بينهما
ينطق أولي كلماته ..
عاد الحمام يعانق الحلم .
الصغير يهمس بين الاثنين
بابا ..أحبك .
ماما.. أحبك ..
ضحك خالد
أحبكما يا معشوقتي ............!!!!
يا واحدة من الكل وليست كالكل .....!!
( انتهت )
لقد خلق الله تعالي المرأة من أجل أنس الرجل . فالرجل كتلة نهمه للحب والأنس هكذا خلق .. وقد خلقنا نحن لسد هذا الجوع النهم فأين نحن منه الآن ولذلك سيظل يبحث عن زاده الذي يحيه كرجل إلى أن يصل إلى فرط الرجولة وما أن يرتوي حتى يملأ الكون بالحب السرمدي الذي من أجله يقتل الرعب من القلوب الوجلة .. والأمن من نفوس الخائنين ويمحو اللون الأصفر من الصحراء ليزرع الأخضر بأيمانه الذي شربه حتى أرتوي من نبع الحب الذي وهبه لك الله يا أنثي بل كل إناث الكون لقد خلقتن من أجل هذا وأن خرجتن عن الفطرة تهتن وتاه معكن الرجل ويسبقه معناه كرجل وعندها لا تلمن إلا أنفسكن
ردحذف