كنت أمشي بسرعة محاولة تخطي زماني من سرعتي, حتى الحق بأولادي بعدما تركتهم في انتظاري علي رصيف رقم ثمانية بمحطة القطار .
يبدو أن لهفتي وقلقي عليهم أزاغت بصري فوجدت نفسي في آخر الرصيف بعدما تخطيت المكان الذي تركتهم فيه , ولم أعثر على أحد منهم.
تعاظمت الهواجس في نفسي حتى بدت لي كغول يلاحقني , مما زاد في تسارع نبضات قلبي وخطوات قدمي في طريقي للعودة إلى نقطة البداية .
توقفت لبرهة استعيد ذاكرتي وأنفاسي بجوار كشك صغير قد أعد كمكتبة صغيرة يشتري منها المسافرون الكتب والجرائد والمجلات لتعينهم علي بتر الملل أثناء السفر ..
تذكرت .. إنني قد فعلت نفس الشيء هنا .
أولادي كانوا معي هنا ..
أجل لقد تركتهم هنا ليختاروا بعض المجلات والقصص ..
لابد من وجودهم قريبين من هنا.
بالفعل لم تمض برهة حتى لمحتني ابنتي فنادت على ..
ضحكت كثيرا من نفسي عندما تذكرت تلك اللحظات التي مررت بها عندما جعل الخوف على أولادي من عيني وسمعي عضوان خارج نطاق الخدمة ..
اعتذرت لأختي هالة التي كانت في انتظاري هي الأخرى مع أولادي أمل ومحمود لأنهم مازالوا يقفون ولم يجلسوا بعد ..
بالرغم من خلو بعض التندات البعيدة لكنهم لم يجلسوا عليها لبعدها عن كشك المكتبة و لخوفهم من أن أفقد أثرهم و يتهون عني ..
لم أتركهم إلا من أجل أن اشتري لهم الطعام حيث أننا خرجنا من المنزل قبل أربع ساعات ولم نتناول إلا وجبة الإفطار وقد أصبحت الساعة الآن السابعة مساءا ..
سألتني "هالة إن كنت قد وجدت تذاكر تقلنا إلى جهة سفرنا؟ وهي تقول لن أستطيع البقاء ليوم آخر ..
معها حق ..
اعتذرت لها برقة وطمأنتها علي سفرنا اليوم لأن باب الحجز سيفتح بعد ساعة من الآن وقد تركت مبلغا للمحصل حتى يكون لي الأولوية بعدما قرأت إعلانا يؤكد عدم وجود أماكن في القطارات المتجهة إلي جهة سفري سوى في قطار الساعة العاشرة ..
ناولتها لفافات الطعام بعد أن أجلستهم في مكان هادئ قد لاحظت خلوه علي رصيف آخر وأنا أبحث عنهم ثم عدت مرة أخرى إلى مكان الحجز حتى لا تفتني الفرصة ..
بالرغم من وعد موظف الشباك بالحجز لي بمجرد فتح الشباك, إلا أن رغبتي اقصد فطرتي كانت تدفعني بين الحين والحين إلى الذهاب إلي مكتب الحجز والتأكد من عدم فوات أي فرصة للحاق بقطار يقوم قبل ميعاد الساعة العاشرة .
أما السبب في هذه الرغبة فمازال صامد في قلبي إلي الآن يستغيث باخر قطرة من الصبر..
لم تمض نصف ساعة حتى رجعت ومعي أربع تذاكر في أجمل قطارات المنطقة الجنوبية .
أخيرا فرحتنا بتذاكر السفر فتحت نفسنا علي الطعام ..
علي هذا الرصيف الهادئ استوقفتني تلك المرأة ذات العين الواحدة التي لم أعيرها انتباها من قبل بالرغم من مروري بجوارها من قبل , مما أثار الرغبة داخلي بمراقبتها أثناء توزيع الطعام علي أولادي وقد تطايرت في الأجواء رائحته المسيلة للعاب ..
إن ما أثار دهشتي الطريقة التي كانت تحاول بها منع عيناها السليمة من مراقبتنا أثناء تناول الطعام ..
فتارة ترفع قطعة قماش صغيرة بالية بيدها وتشدها باليد الأخرى مغطية عيناها السليمة لتبدو لك وكأنها تأخذ قياسات شئ قد تحيكه بتلك الخرق البالية ..
قلت لنفسي ربما تريد سد أنفها من رائحة الطعام الذي أشار الأولاد إلى طيب مذاقه ..
فقررت في هذه اللحظة وبدون أي تردد أن استقطع جزئا من نصيبي و أعطيه , لها وتبعني أولادي وأختي حتى وجدت أمامي طبق يحوي كمية لا بأس بها من كل ما تحويه مائدتنا الصغيرة ثم وضعته أمامها ..
في هذه اللحظة تأملت ملامحها حتى رسمت لها في ذاكرتي صورة لن أنساها ..
وجهها الطويل الذي يحمل عين واحدة والأخرى أثر في مكانها لتبدو العين السليمة كزرار صغير في جبل صلد , وتحت أنفها الطويل المقوس بدا فمها كثقب مترهل تحيط به تجاعيد كثيرة حادة ودقيقة كخدوش الموس ..
جلست علي التندة رافعة قدميها علي بقيتها لتبقى قدميها أمامها وحتى لا يشاركها في التندة أحد وعندما وصلت بعيني إلي نهاية قدميها وقد وضعت إحدى ساقيها الضخمتين على الأخرى ليظهر قدمين حافيتين يبدو فيهما الشق أكبر من شق الأرض العطشانة ..
كانت طويلة القامة مترهلة يتدلى ثديها كجزء من تدلي ملابسها ليلازم انحناء ظهرها وتقوسه..
مازلت عيني تتفحصها وقد ذهبت بي الأفكار إلى ابعد من هذا بعد أن أدرت عيني في كل اتجاه ولم أجد أحد سوانا في هذه الناحية ..
قلت في نفسي ربما تكون جنية ..
تناولت مني بيدها بقيه الطعام , بعدما كانت قد وضعت الجزء الأول أمامها .. فعلى ما يبدو قد شمت رائحته أولا كالقطط ثم اقتربت منه دون أن تنظر إلى من قدمه لها ..
غصب عني وبعدما انتابتني هذه الأفكار عن كونها جنية امتدت عيني إلي يدها تتفحصها لأجدهما غليظتين لم أميزهما عن القدمين في الحجم و القذارة ..
أقشعر جسدي عندما لم ينبث ذلك الفم بأي حرف يدل علي امتنان , أو أي تعبير يرسمه ذلك الوجه الجامد ..
عدت إلى أولادي وهم يراقبونها مثلي ولم يكن رأيهم فيها سوى توجس أكثر من توجسي منها ضحكت هالة وهي المميزة بقفشاتها ..
أدرت عيني في اتجاهها ومازالت أختي وأولادي يتندرون بما رأوا منها , وهالة تردد ربما تكون جنية ..
لم أنبث بكلمة واحدة سوى ابتسامة باهتة ألقيت بها لمجرد المشاركة ..
بدأت تتوارد إلي مخيلتي حكايات الطفولة ..
ربما تكون أمنا الغولة آلتي أطعمتها ست الحسن والجمال ..
إلى أن أوقف هذا السيل من الخيال صوت نفير قطار قد توقف أمامنا على الرصيف نفسه, ونزلت منه سيدة يبدو عليها أثار العمل كسرفيس نظافة , إنها ما زالت تحمل بيديها أدوات النظافة لتضع لفافة بجوار تلك السيدة ذات العين الواحدة .....
هكذا كنا قد أطلقنا عليها هذه اللفظة ؟
عيني على فمها , وهو يلوك العظم حتى أصبح ورك الدجاجة كومة تخرجها من فمها وتعيده إليه جزء يلي الآخر وتتشمشم رائحته كالقطط بين الحين والآخر .
انتهت ذات العين الواحدة من الطعام , وانتهت السيدة من نظافة الجزء الذي أمامنا من مدخل عربة القطار, ثم تناولت لفافتها وأخذت أدواتها إلى جهة أخرى وهي تستغرب ورق الفويل الفضي والأطباق الورقية التي وضعت أمام المرأة ذات العين الواحدة حتى امتدت عيناها إلى مائدتنا الصغيرة فزالت دهشتها ,وزال معها وجودها إلى عربة أخرى في نفس القطار
أدركت في هذه اللحظة إنها ليست جنية الحواديت ولا أمنا الغولة ..
فربما تكون من الدراويش ولكن لم أجد شيئا يدل على هذا كسبحة ترتديها أو غير ذلك ..
اقتربت منها وقد خفت من نفسي الرهبة ومعي ما تبقى من طعام أولادي و الماء حتى المشروب الغازي ..
مازال فمها يلوك العظم ..
اقتربت من أذنها وسألتها هل أنت مسافرة ؟
رددت لها نفس السؤال وبصوت أعلى . وأخيرا نبس ذلك الثقب المترهل وهو مازال يلوك قائلة :.. بتقولي إيه.....!
وبالكاد سمعت صوتها وكأنة أتى من تحت الأنقاض ..
أخرجت من فمها عجينه لا ينقصها سوى البلع مما أصابني بالتقزز و ابتلعت ريقي ..
كررت نفس السؤال وبصوت أعلى بعد أن زاد ضجيج القطارات , لترد على بنفس النبرة الهزيلة مما أجبرني على تقريب أذني من فمها .
قائلة : أنا من هناك ومسافرة عند أخويا الذي يعيش في الإسكندرية , والراجل رفض أن أسافر له .
بتلقائية سألتها ومن هذا الرجل ؟
قالت : إنه الرجل الذي يرتدي البذلة الزرقاء , استجمعت الكلمات بالكاد لتقول لي بعد أن أثبت لها عدم فهمي لما تقوله الرجل الذي يقطع التذاكر....
سألتها بعد أن هززت رأسي مؤكدة لها فهم ما تعنيه لأقول لها هل تملكي المال الكافي للوصول إلى تلك الجهة ..
لم تفهم معنى سؤالي وسألتها سؤال أخر : من آي بلد أنت ؟
لتقول : أنا جئت من الصعيد و أريد الوصول إلي أخي ..
لأن الغريب طردني ..
قالوا لي إنه لي إنه أبني ..
لم أصدقهم ..
والله ابني ربيته ولم أبخل عليه ..
أبني لا يمكن أن يطردني ..
الله يعوض على !
قربت فمها من أذني , وهي تشير بيديها وتقلب كفيها وكأن شيئاً ما قد ضاع منها لتقول وهمس صوتها يؤكد رغبتها بأن لا يسمعها أحد غيري . قالت : "علمته وكمل علامة في بلاد الفرنجة ..
بعدها رجع واحد ثاني أنا متأكدة من أنه ليس أبني ..
ابني كان يعشق الأرض وهذا باع أرضنا أقصد عرضنا ..
هزت رأسها مؤكدة لي من أن هناك سر خطير .
سردته في جملتين وهمس صوتها بعدما بدأ يتمهل لتقول : أصل أبني الحقيقي خطفته الجنية أم شعر أحمر هناك في بلاد الفرنجة..
في هذه اللحظة قلبت كفيها لتعلن عن الخسارة الفادحة ..
هزت رأسها مرة أخرى مؤكدة وهي تقسم بالله ثم أكملت :
"هذا واحد آخر غير ابني ويشبه أبني في الصورة مسكين يا ولدي يا ترى هم حبسوك فين ؟"
"أكيد أخويا سيبحث معي عن ولدي .."
قالت كلماتها وبصرها مازال زائغاً لا يعرف عنوان ولا مرسى
أدركت كم تحملت من أعباء الحياة التي خطت كل جزء من ملامحها ..
تغيرت نظرتي إليها ..
الشقوق التي كنت أراها أكبر وأوسع من شق الأرض العطشانة ما هي إلا نتاج العمل في الأرض المغتصبة ..
شجرة الصبر شاخت .
رسم الصبر مسار تلك الشقوق ..
التجاعيد رسمها الزمن لعمر مضى في تأمين الحياة لذلك الجحود العاصي ..
لا عجب من أن يصل صوتها كمستغيث من تحت الأنقاض ..
مسكينة .... فقلب الأم لا يستطيع أن يصدق الجحود حتى ولو لمسه بنفسه ورآه بعينه ..
هل وهل .....؟
تمالكت الدمع في عيني عندما سبقها قلبي لأسألها .
"هل تعرفين عنوان أخيك ....؟"
برحت عيني المرأة ولم أفارق بعيني أولادي وأنا أنتظر أجابتها
لتقول " سأسأل عنه أهل الخير .."
أخرجت من جيبي كومة من المال لم أعرف عددها ثم ألقيت بها في حجرها وعجزي اتجاهها أثقل لساني .
لم أستطع الكلام لقد فاض قلبي بالأسى حتى سالت عيني ولم أستطع كبحهما في هذه المرة التصقت عيني بأولادي هرباً من نظراتها المستغيثة .
ولأنني نسيت أن أذكر سبب سفري المفاجئ وبدون ترتيب مسبق والذي أستغرق من الوقت أربعة عشر ساعة منها سبعة للوصول إلى جهة سفري والباقي ما بين انتظار ومسافة الوصول إلي محطة القطارمن مكان إقامتي ولما كل هذا .
لأرمى بنفسي في حضن يضمني ..
ويد تمسح على رأسي بحنان ..
خرجت من الساعة الثانية ظهرا في شهر أغسطس
حتى أرمي بنفسي في حضن أمي و أرتوي من نهرالحب الذي ينفض الحزن عنى .
فمهما كانت المدينة وأضوائها المبهرة وإغراؤها ومهما كان حنان الزوج وحضنه ..حب أولادي
لا يماثل ( أمن وأم و حضن يضم )
حضن أمي
القطار يسير ..
دقاته ليست أعلى من دقات قلبي
أولادي يتعجبون .. عيني تفيض ..
هل أحكي لهم قصة الجحود أم ..؟
أصرخ ..
أقول لنفسي مستحيل أن أسهر وأربي ويبقى الجحود ..
قلبي يرجو دقات القطار يقول لها كوني أسرع من نبض قلبي حتى أصل بسرعة ..
فيضمني حضنك يا أمي ..
(انتهت)
يالروعة ما كتبتى ,, إنها صورة من البوم الحياة ... جحود وعقوق ونكران ... لا أملك إلا الدعاء اللهم قنا وإياك شر الجحود وعقوق البناء .... تحياتى وتقديرى
ردحذف