جلست بين زبائن المحل أتتطلع إلي الجديد عنده حيث تعودنا من
أبو حنا أن يفاجئنا بأحدث الموضات العالمية وأبدعها وأجودها من حيث الصنع والأعجب
والأجمل من هذا كله أنها تحتوي علي تكيت صغير كتب فيه صنع يد أبو حنا صناعة محلية
ولكنها وطنية ..
أخذت أتجول بين الموديلات التي تلائم مقاسي ولم ينسي عم فؤاد
المقاسات الكبيرة ..
لقد أحترم وجودها وصمم لها نفس الموديلات وما زلت أتعجب في
نفسي من هذا الرجل الذي سكن في حارتنا منذ زمن وأحببناه وكان سرنا ولم نسأله يوما
من أين أنت إلا أننا دوما عرفناه الأب الحنون والصديق المستمع الوفي ومع هذا لم
نعرف عن مشاكله أو حياته شئ يذكر سوي أن عنده ولد واحد أسمه حنا ..
أما زوجته أم حنا فبالرغم من بخلها ولا أدري أن كان هذا بخلا
أو حرصا أو ضيق في سعة اليد إلا أنها كانت محبوبة من السيدات في الحارة تقدم لهم
المشورة وتولد هذه وتساعد تلك ودوما نصيبها من الأفراح الصينية الأكبر ومن أسبوع
المولود التشكيلة الأجمل وهذا طبعا بعد أن تقوم بهزه ورش الملح علي السلم وفي عين
كل من لم يصلي علي النبي ..
هكذا ظل بينا عم أبو حنا
..
خرجت من أفكاري التي كنت أجول بينها وأنا أتجول بين موديلات
عم أبو حنا حتى توقفت عند هذا الموديل وقد أعجبني جمال ذوقه وروعة تصميمه وناديت
علي عم أبو حنا وأنا أتمني أن يجد لي مقاسي من هذا الموديل الذي أرضي ذوقي وكأنه
صمم من أجلي ..
ضحك عم أبو حنا وملئت الابتسامة وجهه الذي أمتلئ بالتجاعيد
التي أعطته جمالا وابتسامة صافية أحضر لي ما كنت أتمناه وما أن شرعت في
ارتداءه حتى دخل المحل رجل فقير أنني
أعرفه جيدا أنه عم سليمان صاحب الأولاد الكثيرين والمال القليل لم أتعجب من دخوله
وفرجته علي الموديلات ولكن ما تعجبت منه هو تلك اللفافة التي كانت بيده وما أن
فتحها حتى أخرج منها ثلاث أحذية قديمة بالية لم أميز وجهها من بطنها ..
أخذها عم أبو حنا وأبدلها له بالحذاء إلى أشار له عليه وما
جعلني أتعجب أكثر فأكثر ما حدث فيما بعد .
فبعد عم سليمان وجدت طابورا من فقراء الحارة يستبدلون ثلاثة أحذية بالية بحذاء
واحد جديد يختارونه هم من دون التقيد بسعر أو ثمن فخفت علي حذائي الذي أعجبني
فأخذته وهببت واقفة وأنا أقبض عليه خوفا من أن ينتزعه من يدي أحد ممن يقفون في
الطابور ثم أخرجت ثمنه الذي دون أسفله وكما تعودنا مع عم أبو حنا عدم الفصال لأن
سعر السلعة عنده لا منافس لها في أي مكان وبالفعل عم أبو حنا أول من فتح عندنا في
الحارة دكان وأخر من بقي بعدما أغلقت محلات ومحلات ..
خرجت من الدكان وأنا أتعجب من ما رأيت وأخذني الفضول بعدما
تأكدت من وجود حذائي الجديد المفضل في قدمي وقفت أراقب طابور الفقراء حتى أسدل عم
أبو حنا باب الدكان لانتهاء ما به من بضاعة بعد كومة من الأحذية البالية ..
اقتربت منه ومازالت ابتسامته باقية لم ينتقص منها شيئا فتعجبت
أكثر فأكثر ولم أستطيع كتم السؤال الحائر داخلي ..
ضحك الرجل وأخذني جانبا وعندما وضع كفته الكبيرة علي كتفي
يربت عليه شعرت أن الدنيا كلها حنت على فلازمني الصمت إلي أن وصلنا إلي تلك النافورة
التي صممت بأزهى الألوان تحت عمارة هائلة يقال عنها فيلا رجل من رجال الأعمال من الذين يعيشون خارج
البلاد .
توقف بي هنا في هذا المكان ثم دق جرس الفيلا فتنحيت جانبا
والخوف ملئ قلبي وأنا أقول في نفسي ماذا دهاه هذا الرجل هل جن ..
في أول اليوم يوزع الأحذية مقابل لاشيء وآخره يدق جرس الفيلا
..
خرج إلينا أقصد دخلنا وخرج إلينا .
لقد ارتبكت كل الكلمات في فمي ..
أنني أتذكر هذا الرجل أنه ...
ابتسم عم حنا ..
قدمني له هذا صديقك أحمد وهذا أنا صديقك حنا ....
لم يدعني أنتظر ولا أسأل أين كنت يا حنا ..
ابتسم عم حنا وهو يقول وزعت العطايا كلها ..
الآن فهمت ماذا كنت
تعمل يا عم حنا ..
ضحك وقال المال لو أعطي هكذا ومن دون حساب حتى لو كان إلى من
يستحق الزكاة تعود علي الكسل وتعود علي المزيد من تلك الأموال ...
ضحكت وأنا مازلت أقبل صديقي القديم وأنا ألاحقه بالسؤال تلو
السؤال أين كنت و.....
هدأت المشاعر وتعرفت إلى وجهه الجديد الذي ألفته بعد حين ثم
قال لي بعد أن ودع آباه وقبل يداه كما فعلها عندما دخلنا من الباب لأبقى أنا معه
وبيننا الذكريات ذكريات طفل يحلم بالثراء
وقال سأبيع صورا وحكايات لكل الأطفال تسعدهم وتخرجهم من مشاكل الكبار وهكذا قد كان
ومازالت الذكريات تخرج من بين اهتزازة الأجراس ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق